
*شاهيناز القرشي*
في العام 2018، أبرمت مصر اتفاقية مع روسيا على شراء 24 طائرة سوخوي، وقبل اكتمال الصفقة والوصول إلى مرحلة التسليم، تدخلت أمريكا وهددت باستخدام قانون كاتسا وتوقيع عقوبات على مصر في حالة استمرار الصفقة. وبسرعة، تراجعت مصر عن الصفقة بحجة وجود عيوب تصنيع في الطائرة، وحاولت لملمة الفوضى بفتح مسار جديد للتعاون مع روسيا، بفتح خط إنتاج لتجميع السوخوي داخل مصر، وظل هذا الاتفاق حبيس الأدراج.
أول أمس، من موسكو، أعلن آبي أحمد، الرئيس الإثيوبي، عن استلام بلاده 12 طائرة سوخوي_35 كدفعة أولى. هذه ليست صفقة سلاح عادية، هذا اختراق نادر لفكرة الميل للمحاور في منطقتنا؛ فمصر تم ردعها عن شراء السوخوي بقوة القانون والتدخل الأمريكي المباشر، واستجابت حتى لا تخسر علاقاتها ومكتسباتها من أمريكا، بينما إثيوبيا، التي أبرمت اتفاقًا للتعاون العسكري الموسع مع روسيا في 2021، عادت وأبرمت اتفاقًا مع أمريكا للتعاون الأمني والدفاعي المشترك في 2026، وبعد خمسة أشهر فقط تسلمت السوخوي من روسيا، في توقيت دقيق، حيث تمر المنطقة ككل باضطرابات عسكرية. ومما يجعل التوقيت مثار جدل هو عملية (تسريع) تسليم الطائرات قبل عام كامل من الموعد المحدد، ولم تعلن موسكو عن الأسباب التي دعتها لتسريع التسليم.
هل تعمدت روسيا إظهار تحالفها مع إثيوبيا ومنحها هذا الامتياز في هذا التوقيت كرسالة لدول المنطقة التي تدّعي التحالف مع روسيا وهي على خلاف مع إثيوبيا؟ أم هي صفقة لا علاقة لها بالصراعات الدائرة في القرن الإفريقي، وتبحث روسيا عن مصالحها المالية فقط في ظل الحصار الذي يطوقها؟ على العموم، صفقات السلاح بين الدول لا يمكن اعتبارها صفقات مالية فقط، بل هي عبارة عن تحالفات سياسية وتعميق للعلاقات وتبشير بالاستمرارية.
تسلّمت إثيوبيا الطائرات، وقال آبي أحمد إنها كانت ضمن الاتفاقية التي أُبرمت في 2021، وكان من المفروض أن يتم تسليمها في 2027. لم تُعلن حتى الآن الجهة الممولة للصفقة، ولا أين ستستقر هذه الطائرات، وتنتظر إثيوبيا اكتمال الصفقة بتسلّم أربع منظومات للدفاع الجوي و12 طائرة أخرى.
لا يوجد حتى هذه اللحظة رد فعل أمريكي على هذه الصفقة التي سترجّح الكفة الإثيوبية في صراعات القرن الإفريقي وتحقق لها سيادة جوية متفوقة.
هل ستتعامل أمريكا مع إثيوبيا بنفس العنف الذي تعاملت به مع مصر في صفقة مماثلة؟ أم ستغض الطرف، ولماذا؟ بالنسبة لي، يقفز تفسير بأن إثيوبيا، حليفة إسرائيل، تحتاج إلى أسلحة ردع تجعل المتحالفين ضدها من جيرانها والإقليم يتراجعون خطوة إلى الوراء؟ وبما أن هنالك مجالًا لأن تستلم هذا التسليح بسرعة من روسيا، فلِمَ لا؟
هل أمريكا لا تعلم عن هذا التسليم وتفاجأت به مثل الحاضرين في مؤتمر روسيا – إفريقيا، أم أن مخابراتها تابعت عمليات ما قبل الإعلان؟ فلا يمكن أن تكون هذه الصفقة تمت دون ماراثون تفاوضي مسبق، مع حركة أموال مرصودة تم فيها تسليم روسيا، التي تخضع للعقوبات، مبالغ ضخمة.
هنالك سؤال جوهري: هل تم منع مصر من امتلاك السوخوي للأسباب التي أعلنتها أمريكا، ومن ضمنها الخوف من تسرّب تكنولوجيا الأسلحة الأمريكية لروسيا عبر التكامل الذي سيحدث بين السلاحين(الروسي والامريكي)، و الخوف من فرق الصيانة الروسية التي ستطلع على أسرار الأسلحة الأمريكية بحكم ترددها لصيانة أسلحتها؟ أم هو تقييد لمصر حتى لا تخرج عن التسليح المتحكم فيه؟
فكل الطائرات والأسلحة ذات التكنولوجيا المتطورة تظل مرتبطة بصانعها بطريقة أو بأخرى، عبر تزويدها بالأسلحة حصرية التصنيع لدى المصنع، وكذلك صيانتها المرتبطة بعدد ساعات تشغيل معينة. وإذا لم تتدخل الدولة المصنعة لتغيير الأجزاء الدقيقة والحساسة، ستتحول هذه الطائرات والغواصات ومنظومات الدفاع الجوي إلى خردة غير قابلة للتشغيل.
إذًا، كل أسلحة مصر الهجومية الحديثة تقريبًا تخضع لأمريكا وحلفائها، وإذا فكرت مصر في خوض حرب مع جهة لا توافق عليها أمريكا وحلفاؤها، يستطيعون إضعاف القوة المصرية بإخراج أسلحتهم من المعركة. بالطبع، تمتلك مصر أسلحة صينية، ولكن الملاحظ أنها دفاعية أكثر منها هجومية، واكتفت مصر بالحصول على الدرونز الصيني دون الولوج للطائرات المقاتلة، وأعتقد أن هذه محاولة من مصر للسير على حافة الرضا الأمريكي، مع محاولة تنويع مصادر تسليحها بالقدر المسموح.
سؤال ستجيبه الأيام: هل ستصبح إثيوبيا هي إسرائيل إفريقيا؟ الطفل المدلل، مغفور الذنوب، مجاب الطلبات، والحليف الموثوق؟





