شاكر مختار يكتب .. يا لبؤس الحادثة.. حين يُطرد تاريخ التعليم من قاعة المحاضرات! ــ طرد الأستاذ عمر السنوسي يفتح باب التساؤلات حول الزمالة واحترام الخبرات الوطنية.. ووالي الجزيرة مطالب بالتحقيق ــ بعانخي برس
بعانخي برس

ليست كل الحوادث التي تقع داخل المؤسسات التعليمية مواقف يمكن تجاوزها بالصمت، فبعضها يترك جرحاً في جسد المؤسسة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول القيم التي يفترض أن تحكمها. وما حدث للأستاذ عمر السنوسي، المدرب العالمي والوزير المفوض الأسبق بوزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة، خلال محاضرته بمدرسة أحمد عبدالعزيز، وفقاً لحديثه ، ليس مجرد خلاف عابر، بل واقعة تستحق الوقوف عندها ومساءلة المسؤولين عنها.
أن يُطرد الأستاذ عمر السنوسي من محاضرة، ومن وزير التربية والتعليم بالجزيرة الأستاذ عبدالله أبوالكرام، فذلك أمر يثير أسئلة لا ينبغي الهروب منها كيف تُصان كرامة المعلم؟ وأين تقف الزمالة المهنية حين تختلف وجهات النظر؟ وهل أصبح المنصب التنفيذي مبرراً للتعامل مع أصحاب الخبرات الوطنية بمنطق الإقصاء بدلاً من الحوار والاحترام؟
أول ما فات على الوزير أبوالكرام ، أن الأستاذ عمر السنوسي ليس شخصاً عابراً في سجل التربية والتعليم بالجزيرة. إنه زميل مهنة، وصاحب تجربة سابقة في الوزارة ذاتها، وسبق له الجلوس على كرسي المسؤولية التي يجلس عليها الوزير الحالي. وبين الرجلين، بصرف النظر عن اختلاف المواقع، رابط مهني وتاريخ مؤسسي كان يفترض أن يجعلا الاحترام المتبادل قاعدة لا استثناء.
إن الوزارة ليست ملكاً لمن يتولاها اليوم، ومناصبها ليست امتيازات شخصية تمنح أصحابها الحق في تجاوز الآخرين. إنها مسؤولية عامة، يتعاقب عليها الرجال، وتبقى قيمتها الحقيقية فيما يتركونه من أثر في المؤسسات وفي نفوس العاملين بها.
أما الأستاذ عمر السنوسي، فإن قيمته لا تُختزل في منصب شغله أو لقب يحمله. فبحسب ما يُعرف عنه من خبرات وإسهامات وجوائز عالمية، نحن أمام كفاءة وطنية يفترض أن تكون موضع تقدير واستفادة، لا أن تتحول إلى طرف في مشهد يثير الاستياء والتساؤلات. فالخبرات التي تُراكمها سنوات العمل، والجوائز التي يحصدها أصحابها، تمثل رصيداً ينبغي أن تستفيد منه المؤسسات الوطنية، لا أن تتعامل معه باعتباره عبئاً أو أمراً يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
يا للأسف، حين تتحول قاعة المحاضرات، التي يفترض أن تكون فضاءً للعلم والحوار وتبادل الخبرات، إلى مسرح لواقعة طرد تلاحقها علامات الاستفهام! وأي رسالة يمكن أن تصل إلى المعلمين والطلاب عندما يصبح التعامل مع أصحاب التجارب موضع جدل بدلاً من أن يكون نموذجاً يُحتذى؟
التعليم يقوم في جوهره على احترام المعلم، وصيانة كرامته، وتقدير المعرفة، والاعتراف بفضل الذين أسهموا في بناء مؤسساته. وإذا غابت هذه القيم عن قمة الهرم الإداري، فإن الحديث عن إصلاح التعليم سيظل ناقصاً مهما ارتفعت الشعارات.
وليس المطلوب هنا منح الأستاذ عمر السنوسي حصانة من النقد، ولا افتراض أن الخلافات المهنية لا تقع بين أصحاب الخبرات والمسؤولين. فمن حق أي مؤسسة أن تنظم فعالياتها، ومن حق إدارتها وضع الضوابط التي تراها مناسبة، لكن ذلك كله يجب أن يتم وفق إجراءات واضحة، وبما يحفظ كرامة الأشخاص ومكانة المؤسسات. أما إذا ثبت أن الإبعاد تم بصورة مهينة أو دون مسوغ مهني واضح، فإن الأمر يتجاوز حدود الاختلاف الإداري إلى مسألة تستوجب المساءلة.
إننا، أمام هذه الواقعة، ننعي الزمالة المهنية إذا كانت قد أُهدرت، وننعى القيم التربوية إذا كان احترام المعلم قد أصبح أمراً قابلاً للتجاوز. ونخشى أن يكون ما حدث مؤشراً على خلل في فهم طبيعة المسؤولية، حين يُقدَّم سلطان المنصب على حكمة الخبرة، ويُغلق باب الحوار بدلاً من أن يُفتح على مصراعيه.
سعادة والي ولاية الجزيرة الأستاذ الطاهر إبراهيم الخير..
إن الواقعة المنسوبة إلى وزير التربية والتعليم تستدعي تدخلكم العاجل، ليس انتصاراً لطرف على آخر، وإنما انتصاراً لمبدأ العدالة، وصوناً لكرامة المؤسسات التعليمية، وحمايةً لقيمة الزمالة المهنية التي ينبغي أن تجمع العاملين في الحقل التربوي مهما اختلفت مواقعهم.
نأمل منكم فتح تحقيق جاد وشفاف في ملابسات ما جرى والاستماع إلى الأستاذ عمر السنوسي والوزير عبدالله أبوالكرام والشهود، وتحديد المسؤوليات استناداً إلى الوقائع، واتخاذ ما يلزم من إجراءات إذا ثبت وقوع تجاوز. فالمناصب العامة لا تعفي أصحابها من المساءلة، كما أن الخبرات الوطنية تستحق أن تُعامل بما يليق بمكانتها.
إن ولاية الجزيرة، التي عُرفت بتاريخها التعليمي ومؤسساتها التربوية العريقة، لا تحتاج إلى مزيد من الوقائع التي تثير الشكوك حول احترام أهل الخبرة، بل تحتاج إلى إدارة تُحسن الاستماع، وتُقدّر العطاء، وتؤمن بأن الاختلاف لا يُعالج بالإقصاء، وأن قوة المسؤول لا تُقاس بقدرته على إبعاد الآخرين، وإنما بحكمته في إدارة الخلاف.
يا لبؤس الحادثة إن صحت تفاصيلها، ويا للخسارة حين تصبح الخبرات الوطنية موضع إبعاد بدلاً من أن تكون مصدر إلهام للأجيال!
أما التعليم، فلا نريد أن ننعيه، بل نريد أن نرى مؤسساته تستعيد هيبتها، ومعلميه يستردون مكانتهم، ومسؤوليه يدركون أن الكراسي زائلة، بينما يبقى أثر المواقف في ذاكرة الناس.
فهل يفتح والي الجزيرة هذا الملف، ويضع حداً لأي تجاوز يمس كرامة أهل التربية والتعليم؟
ذلك ما ينتظره المعلمون، وما تستحقه الجزيرة، وما تفرضه المسؤولية العامة.





