
كانت ودمدني، حاضرة ولاية الجزيرة، تُعرف في الوجدان السوداني بـ«أم المدائن»، وفي رواية أخرى «ست المدائن». اسمٌ يليق بمدينة عريقة ظلت لعقود عنواناً للحياة والحركة والجمال في قلب السودان.
لكن من المؤسف أن تبدو المدينة اليوم وكأنها فقدت الكثير من ملامحها، حتى أصبح الزائر والمقيم على السواء أمام مشاهد بصرية موجعة ، مياه راكدة، وتلال من النفايات، وكسورات مياه تغمر الشوارع، وطرق عارية من الأسفلت، وحفر ومطبات، وأنقاض متناثرة في كل اتجاه.
المشهد لم يعد مجرد خلل عابر في شارع أو حي، وإنما بات قضية مدينة كاملة تحتاج إلى وقفة جادة ومسؤولة.
مدينة تسبح في المياه والنفايات
في عدد من شوارع ودمدني، تختلط مياه الصرف وكسورات المياه بمخلفات الأحياء والأسواق، فتتحول بعض المواقع إلى برك راكدة ومصادر للروائح والحشرات والأضرار البيئية.
أما النفايات، فقد أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، في ظل عجز واضح عن الوصول إلى منظومة مستدامة لجمعها ونقلها والتخلص منها بصورة تحفظ للمدينة كرامتها وللمواطن حقه في بيئة نظيفة.
والسؤال هنا ليس معقداً كيف يمكن أن نتحدث عن مدينة تتعافى وتستعيد عافيتها، بينما تعجز الجهات المختصة عن أبسط متطلبات الحياة الحضرية، وهي النظافة وتصريف المياه وصيانة الطرق؟
الأكثر إيلاماً أن ترى بعض شوارع المدينة وقد تحولت إلى ما يشبه ورشة مفتوحة بلا نهاية.
حفر هنا، مطبات هناك، وبقايا أسفلت وأنقاض تُلقى داخل الحفر في محاولة بائسة لردمها، وكأن المطلوب ليس إصلاح الطريق وإنما إخفاء المشكلة مؤقتاً.
وهنا يحق للمواطن أن يسأل هل هذه صيانة طرق أم مجرد «تلاتيق»؟
الطريق يحتاج إلى معالجة هندسية حقيقية، لا أن تتحول أنقاض الأسفلت إلى بديل دائم عن الصيانة.
حتى بعض الطرق التي بدأ العمل بها، يبدو أن إنجازها يسير بسرعة لا يعرفها إلا القائمون عليها!
مشروعات تبدأ ثم تتباطأ، وحفر تبقى مفتوحة، وأعمال تتوقف، ومواطن ينتظر شهوراً ليرى شارعاً صالحاً للاستخدام.
وكأن مشروعات الطرق في ودمدني أُسندت إلى سلحفاة لا إلى شركات ومؤسسات يفترض أن لديها جداول زمنية والتزامات واضحة.
نحن لا نريد معجزات، ولا نطلب المستحيل. نريد فقط أن تعمل المؤسسات وفق خطط واضحة، وأن يعرف المواطن: متى يبدأ المشروع؟ ومتى ينتهي؟
وحكومة ولاية الجزيرة مطالبة بأن تتعامل مع هذا الملف باعتباره أولوية عاجلة، لا قضية هامشية يمكن تأجيلها.
فالمدينة النظيفة ليست ترفاً، والشارع السليم ليس رفاهية، وتصريف المياه ليس مشروعاً تجميلياً. هذه حقوق أساسية للمواطن، وواجب أصيل على المؤسسات الحكومية والمحلية.
إنني أخشى أن نضطر، من شدة ما نرى، إلى إعادة النظر في الاسم الذي ارتبط بودمدني لعقود.
فبعد أن كانت «أم المدائن»، وربما «ست المدائن»، قد يقترح البعض اليوم أن تُسمى من باب السخرية المريرة (المدينة الملتقة)!
ملتقة بالنفايات، وملتقة بالمياه الراكدة، وملتقة بالحفر والمطبات، وملتقة ببقايا الأسفلت والأنقاض.
لكننا لا نريد لهذا الاسم الساخر أن يصبح حقيقة في ذاكرة الناس.
نريد ودمدني كما عرفناها: مدينة جميلة، نظيفة، منظمة، مضيئة، وشوارعها تليق بتاريخها وأهلها.
ودمدني لا تحتاج إلى مزيد من «التلاتيق».. تحتاج إلى إدارة حقيقية، وخطة واضحة ، وعمل جاد يعيد إليها وجهها الذي نعرفه.
فالمدينة التي كانت يوماً «أم المدائن» لا يجوز أن تصبح أسيرة للنفايات والمياه الراكدة والحفر.
أنقذوا ودمدني.. قبل أن تصبح القاذورات عنواناً لمدينة كانت عنواناً للجمال.





