شاكر مختار يكتب .. «ولا عزاء لصحفيي تأسيس».. يا صاحبي القصاص، إلى ماذا تشير؟ ــ بعانخي برس
بعانخي برس

كتب الزميل هاشم القصاص مقالاً تناول فيه زيارة نائب رئيس اتحاد الصحفيين إلى مدينة ود مدني، وما صاحبها من لقاء جمع مجموعة من الزملاء الإعلاميين، في مشهد أثار كثيراً من التساؤلات، ليس بسبب الزيارة في حد ذاتها، وإنما بسبب طريقة إدارة اللقاء وانتقاء الحضور، في تغييب واضح لبقية الزملاء.
لكن ما استوقفني أكثر هو ذيل العنوان الذي اختاره الزميل القصاص لمقاله (ولا عزاء لصحفيي تأسيس).
يا صاحبي القصاص.. إلى ماذا تود أن تشير؟
هل أصبح وصف «صحفيي التأسيس» تهمة تُلصق بمن لم تشملهم الدعوة؟ وهل صار تاريخ الصحفي ومهنيته يقاسان بمن جلس إلى مائدة اللقاء، ومن غاب عنها؟
الأغرب أن بعض من تناولوا هذا الأمر، ومن بينهم الزميل هاشم نفسه، هم أبناء الجزيرة، ومع ذلك يبدو أن هناك جهلاً واضحاً بتفاصيل اتحاد الصحفيين وعضويته في الجزيرة، وبملف النقابة وعضويتها، ومن هم الصحفيون الذين ظلوا يمارسون المهنة ويدفعون ثمن مواقفهم المهنية لسنوات طويلة.
لذلك يصبح استخدام تعبير «صحفيو التأسيس» بهذا السياق أمراً يحتاج إلى تفسير، لا سيما عندما يأتي من زملاء يفترض أنهم يعرفون جيداً تاريخ الصحافة في ود مدني وأسماء أهلها ومواقفهم.
لقد أفرزت الحرب أشياء كثيرة لم تكن تخطر على بال أحد. ولم تكتفِ الحرب بتدمير المدن والمؤسسات، بل كشفت أيضاً عن كثير من العلل الاجتماعية والمهنية، وأخرجت إلى السطح ممارسات كانت مستترة خلف المجاملات والعلاقات.
ولعل واحدة من أسوأ إفرازاتها أن يتحول العمل الصحفي من مساحة تجمع المهنيين إلى دوائر مغلقة، تُوزع فيها الدعوات وفق معايير لا علاقة لها بالمهنة، بينما يُترك أصحاب التاريخ والمواقف خارج المشهد.
وللتاريخ نقول: ود مدني ليست مدينة بلا ذاكرة صحفية.
فيها صحفيون مهنيون، أصحاب مواقف مشرفة، يحمل بعضهم بطاقات وشهادات من اتحادات صحفية وإعلامية إقليمية ودولية، وهي مؤهلات مهنية تتجاوز بكثير فكرة الجلسات الانتقائية والظهور في الصور.
فهؤلاء لا تعنيهم كثيراً جلسات التوثيق التي تبدو أقرب إلى «وجبات سمكية» عابرة، ولا تغريهم صور «البلطي والعجل» ولا الولائم التي يُراد أحياناً أن تُستخدم بديلاً عن الحوار المهني الحقيقي.
الصحافة ليست مائدة طعام، وليست صورة جماعية، وليست بطاقة دعوة.
الصحافة موقف ومسؤولية وتاريخ.
والأهم أن صحفيي ود مدني يعرفون بعضهم بعضاً، ويعرف الاتحاد والنقابة أيضاً من هم أصحاب المواقف، ومن ظلوا في مقدمة الصفوف عندما كان الموقف يحتاج إلى شجاعة، ومن اختاروا الصمت أو الابتعاد عندما كانت الكلمة لها ثمن.
ولذلك، فإن تغييب أصحاب المواقف عن اللقاءات لا يمحو وجودهم، كما أن دعوتهم أو عدم دعوتهم لا تمنح أحداً صكوك المهنية.
بل ربما كان السؤال الأكثر إلحاحاً لماذا يخشى البعض مواجهة الصحفيين المهنيين أصحاب المواقف، بينما يرحب بالجلسات التي لا تزعج أحداً ولا تطرح سؤالاً صعباً؟
القصاص يا صاحبي وزميلي في اللجوء ..
نحن لا نحتاج إلى معركة شخصية، ولا نريد أن نحول اختلافاً في الرأي إلى خصومة بين الزملاء. لكننا نرفض أن تُستخدم اللغة لتقسيم الصحفيين إلى ضفاف مختلفة «تأسيسيين» وغيرهم، أو إلى من يستحقون الدعوة ومن لا يستحقونها، وكأن المهنية أصبحت امتيازاً تمنحه العلاقات لا المهنة.
إذا كان المقصود من «صحفيي التأسيس» شيئاً محدداً، فليُذكر صراحة.
أما إطلاق المصطلحات في الهواء، ثم تركها لتصيب من تصيب، فهذا لا يليق بصحفي يعرف قيمة الكلمة.
ود مدني تستحق وحدة صحفياة تجمع ولا تفرق، وتفتح الأبواب ولا تغلقها، وتحتفي بالمهنية لا بالولائم، وتحترم أصحاب المواقف لا أصحاب المجالس.
أما صحفيوها الحقيقيون، فلا يحتاجون إلى شهادة من أحد.
تاريخهم المهني ومواقفهم تشهد لهم.
والذين يعرفونهم جيداً.. يعرفون لماذا يتم تجاوزهم أحياناً، ولماذا يُتحاشى حضورهم عندما يحين وقتهم .




