راي

*دكتور ابوعبيده محمدالسيد الكودابي يكتب .. الحوار السوداني السوداني: دروس وعِبر من الماضي ونظرة مستقبلية ثاقبة* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

يمر السودان بمرحلة تاريخية دقيقة تتطلب شجاعة في مراجعة الماضي، وواقعية في قراءة الحاضر، وبعد نظر في بناء المستقبل. فالأزمة السودانية لم تكن وليدة اللحظة، وإنما هي نتاج تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية امتدت لعقود.

ومن هنا تأتي أهمية الحوار السوداني السوداني باعتباره مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة، شريطة ألا يكون حواراً لتقاسم السلطة أو إعادة إنتاج التجارب السابقة، وإنما حواراً وطنياً واسعاً يؤسس لدولة سودانية حديثة، مستقرة وعادلة وقادرة على تلبية تطلعات شعبها.

التأصيل الشرعي للحوار والإصلاح

إن الدعوة إلى الحوار والإصلاح ليست مجرد خيار سياسي تفرضه الظروف، بل لها أصل راسخ في الشريعة الإسلامية. فقد جعل القرآن الكريم الإصلاح بين الناس من الأعمال العظيمة، فقال تعالى:

«﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾
(النساء: 114).»

وقال سبحانه في شأن الاقتتال بين المؤمنين:

«﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
(الحجرات: 9).»

ثم بيّن أن الإصلاح لا يكتمل بمجرد وقف القتال، وإنما بإقامة العدل:

«﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
(الحجرات: 9).»

وهذه الآية تحمل درساً بالغ الأهمية للسودان: السلام الحقيقي ليس مجرد إسكات السلاح، وإنما إصلاح يقوم على العدل والقسط.

الشورى أساس المشاركة في صناعة القرار

ومن أهم الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الحوار الوطني مبدأ الشورى، قال تعالى في وصف المؤمنين:

«﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾
(الشورى: 38).»

وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:

«﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
(آل عمران: 159).»

وهذا يؤكد أهمية إشراك أصحاب الرأي والخبرة وأهل المصلحة في صناعة القرار، وعدم انفراد فئة أو جهة بتقرير مستقبل البلاد.

والشورى المطلوبة في الحالة السودانية ينبغي ألا تكون شكلية، وإنما مشاركة حقيقية تستمع إلى مختلف مكونات المجتمع، وتستفيد من الخبرات الوطنية، وتبحث عن المصلحة العامة.

العدل أساس الدولة والاستقرار

ومن أهم المبادئ التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة العدل. يقول الله تعالى:

«﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
(النحل: 90).»

ويقول سبحانه:

«﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
(المائدة: 8).»

فالعدالة ليست شعاراً سياسياً، وإنما قيمة شرعية وأساس لاستقرار المجتمعات.

ومن هنا فإن أي مشروع وطني للسودان ينبغي أن يعالج قضايا التهميش، وتفاوت التنمية، والحقوق، وسيادة القانون، والمظالم المتراكمة، مع ضمان المحاسبة وفق القانون، بعيداً عن الانتقام أو العدالة الانتقائية.

الأمانة والمسؤولية في إدارة الدولة

إن تولي المسؤولية العامة أمانة، وليست امتيازاً شخصياً. يقول الله تعالى:

«﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: 58).»

وهذا يضع أساساً مهماً لاختيار المسؤولين: الكفاءة والأمانة والقدرة على تحمل المسؤولية، لا المحاصصة أو الولاء الشخصي أو الجهوي.

ومن هنا تأتي أهمية وضع استراتيجيات واضحة لكل وزارة، لأن المسؤولية لا ينبغي أن تكون مجرد منصب، بل تكليفاً له أهداف وواجبات ونتائج يمكن تقييمها.

التخطيط والإتقان

إن بناء الدولة يحتاج إلى الأخذ بالأسباب والتخطيط للمستقبل، وليس الاكتفاء بالنوايا الحسنة.

قال تعالى:

«﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
(الحشر: 18).»

والآية، في سياقها الإيماني، تربي المسلم على مراجعة العمل والاستعداد للمستقبل. ومن هذا المعنى يمكن استلهام أهمية التخطيط والمراجعة والتقييم في العمل العام.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

««إن الله كتب الإحسان على كل شيء»
رواه مسلم.»

والإحسان في إدارة الدولة يعني إتقان العمل، وحسن استخدام الموارد، وتحقيق أفضل النتائج الممكنة، ومكافحة الفساد والتسيب وإهدار المال العام.

الاستراتيجيات الوزارية من منظور المسؤولية الشرعية

إذا كان الحكم أمانة، وإذا كان المال العام أمانة، وإذا كانت مصالح الناس أمانة، فإن وضع استراتيجية واضحة لكل وزارة يصبح جزءاً من حسن القيام بالمسؤولية.

فلا يكفي أن تقول وزارة الزراعة إنها تريد تطوير الزراعة، بل يجب أن تحدد: الأراضي المستهدفة، ومصادر المياه، والتمويل، والمدخلات، والإنتاج المتوقع، والأسواق، والبنية التحتية، والمدة الزمنية.

ولا يكفي أن تعلن وزارة الصحة تحسين الخدمات، بل يجب أن تحدد احتياجات المستشفيات، والكوادر، والدواء، والتمويل، والتغطية الصحية، ومؤشرات قياس النتائج.

وينطبق الأمر ذاته على التعليم، والطاقة، والنقل، والمالية، والصناعة، والتعدين، والاتصالات، والحكم الاتحادي، وسائر مؤسسات الدولة.

وبذلك تصبح الاستراتيجية وسيلة لتحويل الأمانة إلى عمل قابل للقياس والمساءلة.

لا ضرر ولا ضرار

ومن القواعد الشرعية الكبرى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

««لا ضرر ولا ضرار»
حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره.»

وهذا أصل عظيم في منع الإضرار بالناس والمجتمع، ويمكن استحضاره في مرحلة بناء السلام وإعادة الإعمار: فلا يجوز أن تكون المصالح السياسية أو الحزبية سبباً في استمرار معاناة المواطنين، أو تعطيل الخدمات، أو إهدار الموارد، أو إشعال الصراعات.

المصلحة العامة فوق المصالح الضيقة

إن السودان يحتاج في هذه المرحلة إلى تقديم المصلحة الوطنية العامة على المصالح الحزبية والجهوية والشخصية.

وقد قرر الفقهاء أن التصرف في شؤون الرعية ينبغي أن يكون مرتبطاً بالمصلحة، وهي قاعدة مهمة في الإدارة العامة: أن تكون القرارات والسياسات موجهة لتحقيق مصالح الناس ودفع الضرر عنهم.

وهنا يلتقي المقصد الشرعي مع مقتضيات الدولة الحديثة: الأمن، والعدل، وحفظ الحقوق، وحماية المال العام، وتوفير الخدمات، وتحقيق التنمية، وصيانة كرامة الإنسان.

من الحوار إلى مشروع الدولة

بناءً على ذلك، ينبغي ألا ينتهي الحوار السوداني السوداني إلى اتفاق سياسي محدود، بل إلى عقد وطني جديد يقوم على مبادئ الإصلاح والشورى والعدل والأمانة وحفظ المصلحة العامة.

ثم تُترجم هذه المبادئ إلى استراتيجية وطنية طويلة المدى، تتفرع منها استراتيجيات الوزارات والمؤسسات والولايات، بحيث يعرف المواطن ما الذي ستفعله الدولة، ومتى، وبأي موارد، وكيف ستقيس النجاح.

وهنا تصبح المعادلة واضحة:

الحوار يحقق التوافق، والشورى توسع المشاركة، والعدل يحفظ الحقوق، والاستراتيجية تحدد الطريق، والميزانية توفر الموارد، والمتابعة تقيس الإنجاز، والمساءلة تحمي الأمانة.

الخلاصة

إن السودان لا يحتاج إلى حوار يعيد إنتاج الماضي، وإنما إلى حوار يتعلم من الماضي ويؤسس للمستقبل.

حوار يوقف نزيف الحرب، ويعالج جذور المظالم، ويؤسس للعدل، ويجمع السودانيين حول مشروع دولة، ثم يحول هذا المشروع إلى خطط واستراتيجيات ومؤشرات أداء قابلة للتنفيذ.

فالغاية ليست أن ينتصر طرف سوداني على طرف سوداني، وإنما أن ينتصر السودان نفسه؛ دولةً آمنةً، عادلةً، موحدةً، منتجةً، قويةً بمؤسساتها، تحفظ كرامة مواطنيها، وتتيح لهم المشاركة في صناعة مستقبلهم.

ومن أجمل ما يمكن أن يلخص هذه الرؤية قول الله تعالى:

«﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾
(هود: 88).»

فالإصلاح إرادة وعمل وتخطيط، والتوفيق من الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى