
يا سوداننا، ما هنت يومًا في قلوبنا، ولن نساوم على حبك مهما اشتدت المحن. حملنا أشواق العودة سنوات ، لكننا عندما وطئت أقدامنا أرضك، اختلط الفرح بالحزن، والأمل بالألم. فما رأيناه من واقع مؤلم ترك في النفوس غصة لا تقل وجعًا عن مرارة اللجوء.
ورغم ذلك، فإن أكثر ما بعث الطمأنينة في القلب هو تلك الأفواج الكبيرة من العائدين الذين تدفقوا نحو الوطن. كان ذلك دليلاً واضحًا على أن السوداني لا يريد وطنًا غير السودان، وأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالحجر، وإنما تبدأ بعودة الإنسان إلى أرضه، واستعادة الأمل في قلبه.
الرحمة والمغفرة لكل من غيبتهم الحرب، والشفاء لكل من أنهكته مآسيها.
لكنني، وأنا أراقب تفاصيل الحياة بعد العودة، رأيت أشياء أوجعتني. رأيت سودانيين تبدلت أخلاق بعضهم، وكأن الحرب لم تسرق البيوت فقط، بل سرقت معها شيئًا من القيم التي عرفنا بها بين الشعوب. صحيح أن هناك رجالًا ونساءً ما زالوا أوفياء للمبادئ، يحفظون الشهامة والمروءة ويقفون إلى جانب المحتاج، لكن مظاهر الجشع والطمع وقسوة التعامل باتت مقلقة.
أكثر ما آلمني هو ما رأيته من بعض شبابنا. شباب كنا نعلق عليهم آمال المستقبل، فإذا ببعضهم يتصرف بطريقة لا تشبه تربية الآباء والأجداد. مشهد شاب يطلب من امرأة مسنة، أنهكها التعب، أن تغادر مقعدها قائلاً ببرود: “هذا مكاني… ابحثي عن غيره”، لم يكن مجرد موقف عابر، بل كان ناقوس خطر يدق في وجدان المجتمع.
أين الشهامة التي تربينا عليها؟ أين احترام الكبير، والرحمة بالصغير، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، والتكافل الذي كان عنوان الشخصية السودانية؟ إنها قيم لا يجوز أن تضيع مهما كانت الظروف قاسية.
ومع ذلك، لا يجوز أن نعمم. فما زال بيننا رجال ونساء يضربون أروع الأمثلة في حسن الخلق، ومساعدة الآخرين، والتخفيف عن المحتاجين، وهؤلاء هم الأمل الحقيقي في أن يستعيد السودان روحه.
لقد خرجنا من ديارنا مكرهين، وعشنا مرارة النزوح واللجوء، وذاق شعبنا من القتل والنهب والتشريد ما يكفي أجيالًا كاملة. ومن حق هذا الشعب أن يعيش حياة كريمة، يسودها الأمن والعدل والاستقرار.
لا يهم من يحكم السودان بقدر ما يهم أن يجد المواطن عدالة اجتماعية، وأمانًا، وخدمات تحفظ كرامته، وفرصًا للحياة الكريمة. نريد وطنًا يعشقه أبناؤه، فلا يضطر أحد إلى مغادرته مرة أخرى وهو مكره على الرحيل.
إن بناء السودان الجديد لن يكون بالإعمار المادي وحده، بل بإعمار النفوس، وإحياء الأخلاق، وغرس القيم في الأجيال القادمة. فالتربية على الشهامة والمروءة والصدق والأمانة ليست ترفًا، بل هي أساس نهضة أي أمة.
رسالتي إلى كل أسرة سودانية: لا تهملوا غرس المبادئ في أبنائكم، علموهم احترام الكبير، ورحمة الصغير، ومساعدة المحتاج، وحب الوطن، فالأوطان لا تبنى بالخرسانة وحدها، وإنما تبنى بالإنسان.
أبدًا ما خنتك يا سودان، وستظل ساكنًا في القلب مهما ابتعدت المسافات. نسأل الله أن تكون هذه العودة بداية عهد جديد، يسوده السلام والمحبة والعدل، وأن يمنّ على بلادنا بالأمن والاستقرار، وأن يرى أبناؤها المستقبل الذي يستحقونه، فلا نزوح بعد اليوم، ولا لجوء، ولا فراق… بل وطن يحتضن الجميع.





