
*شاهيناز القرشي*
في الأيام السابقة خاضت روان، ابنتنا الكبرى، مناظرات سياسية كنشاط صيفي تابع للمدرسة للطلاب المقبلين على الصف الثالث الثانوي، وصعدت حتى آخر مرحلة، وفازت بالمركز الأول.
كانت المناظرة الأولى عن حرب البلقان، حيث وقع الاختيار على روان لتمثل الدولة العثمانية، فتطرح رؤية الدولة العثمانية للأمر، وتفند حجج الطرف الآخر. والمناظرة الثانية كانت عن تأثر الديمقراطية بتراكم الثروات عند طبقات بعينها، وكان على روان أن تدافع عن الفكرة. 😄 أما المناظرة الثالثة فكانت عن حق الحكومة في الوصول إلى البيانات الشخصية والمعلومات السرية دون الحاجة إلى إذن قضائي، وكان على روان أيضًا الدفاع عن الفكرة، على الرغم من معارضتها لها بشكل شخصي، ولكن هكذا حكمت لجنة الاختيار. 😄
أما المناظرة الأخيرة فكانت عن عدالة حق الفيتو، ولتكون الأمور أصعب، كان عليهم أن يتبادلوا الأدوار؛ ففي مرة يكونون مع منح الدول الخمس حق الفيتو، وفي الأخرى يكونون ضد هذا المنح.
عندما ننظر إلى العصف الذهني الذي يخوضه طلبة في عمر 16 و17 عامًا في قضايا عالمية، مع إدراكهم أن ما يحدث ما هو إلا طرح للأفكار، وأن الأمر ليس بمعركة ولا يحتاج إلى غضب على الطرف الآخر أو هياجٍ عاطفي، أعتقد أن هذا سيبني عقولًا قادرة على النقد والدفاع بالمنطق، دون أن يتحول الأمر إلى عداوة وخصام ومشاعر سلبية، مع قبول الاختلاف واحترام الرأي الآخر. وهذا ما نحتاج إليه كشعب سوداني.
وإذا انتقل هذا الأمر إلى المدارس، فسيصبح طبعًا يُكتسب بالممارسة وينمو مع الشخصية، وليس ادعاءً قشريًا يسفر عن خلافات تصل إلى حد القتل. فتغيير المناهج في السودان يجب أن يشمل طريقة التدريس، والمنتج النهائي للنظام التعليمي يجب أن يكون عقولًا امتلكت أدوات البحث والنقد والنقاش، دون تخوين أو استفزاز.
وإذا قيّمت النشاطات الجانبية التي تصاحب السنة الدراسية في المدارس العالمية، ستدرك أنك لا تحصل على مجرد تمكين في اللغة الإنجليزية واللغات المصاحبة، بل تحصل على مسار يدعم شخصية الخريج ويفتح مداركه على قضايا ربما لا يتعرف عليها بشكل عميق في زمن السوشيال ميديا والريلز.
ولن تقبل الحكومات الدكتاتورية بتطور هذه الجوانب في شعوب تجثم على صدورها، بل تريد عقولًا تحفظ التلقين وتردد دون تفكير، كما يحدث في الأيام الحالية من نشاطات التغييب والسيطرة على عقول الأطفال في المدارس، وبكل إجرام الدنيا، حيث يرددون شعارات تخدم مؤسسة أو حزبًا، ويردد الأطفال خلفهم، دون أن تُمنح هذه العقول فرصة لتنمو بشكل طبيعي خارج صندوق الهتاف للحاكم وحاشيته.
ويسعدني أن أضيف أنه لم يكن لنا، كوالدين، دور يُذكر في بحث روان، سوى نقاشات بسيطة جدًا حول النقاط الرئيسية والفكرة العامة. وروان هي من قامت بكل العمل، من بحث، وترتيب للنقاط، وإضافة أفكارها الخاصة.
أسأل الله أن يحفظها ويوفقها دائمًا.





