د. موسى عبدالهادي عبد الله. يكتب.. الشوق وذاكرة الوطن أغنية “المرسال” حين تضيع في زحام النسيان! وتظهر في امتحان القدرات المهنية ــ بعانخي برس
بعانخي برس

تظل السجل العاطفي والتاريخي الذي يحفظ ملامح وجداننا عبر الأجيال. ومن بين هذه العيون الفريدة، تقف أغنية «المرسال» للشاعر المجيد الراحل محمد علي دفع الله (أبو قطاطي) وصوت فنان إفريقيا الأول محمد وردي، كأيقونة خالدة حفرت مكانتها ببساطة المفردة وعمق المضمون.
خلف هذه الرائعة قصة إنسانية بالغة العذوبة والشجن؛ فقد وقع الشاعر في حب ابنة حيه، وبعث إليها بأربعة خطابات تفيض شوقاً، لكنها لم تجب. استعان بقريب له يسكن جوار معشوقته ليكون رسولاً بينهما، وغادر هذا «المرسال» قريته بل وغادر دنيانا الفانية لاحقاً، دون أن يحمل للشاعر الرد المنتظر. من رحم هذا الانتظار المرير والرسائل الصامتة، ولدت هذه القصيدة التي حلق بها العملاق وردي في سموات الإبداع، لتصبح حجر زاوية في تشكيل الوجدان العاطفي السوداني.
ولأن الفن لا يعيش في غرف مغلقة، بل يتقاطع مع حيواتنا ومواقفنا الشخصية، فإن لهذه الأغنية مكانة استثنائية في نفسي، وتقفز ذكرياتها إلى مخيلتي كلما ترنم وردي بنغماتها. وكنت دائماً، بحكم تخصصي، أردد لطلابي في مقرر «التوثيق الإعلامي» عبارة أؤمن بها عميقاً: «إن التوثيق الإعلامي هو ذاكرة الأمة، وتوثيق الأعمال الفنية هو حارس هويتها الروحية».
لكن هذه القناعة اصطدمت مؤخراً بموقف يثير الغصة بقدر ما يثير التعجب. ففي أحد الامتحانات «المهنية» الرفيعة مؤسسة اجتماعية
كبرى وعبر لجنة الاختيار الخدمة العامة، ورد سؤال اختياري يطلب تحديد الفنان الذي تغنى بأغنية «المرسال»، وضمن الخيارات بالطبع اسم الهرم محمد وردي. المفارقة المزعجة لم تكن في طبيعة السؤال، بل في تفاجئي أثناء المراقبة بإحدى الجالسات للامتحان تسألني في حيرة: “من هو صاحب هذه الأغنية؟!”.
أمام هذا السؤال، تجمعت في داخلي مشاعر الصدمة والاستغراب، ولم أملك سوى تقديم «ابتسامة بلاستيكية» باهتة مع إيماءة تعجب صامتة، ومضيت في طريقي.
إن هذا الموقف العابر يطرح علامة استفهام كبرى حول الفجوة الجيلية المعاصرة وتراجع الوعي بالإرث الفني. عندما تغيب أغنية بحجم «المرسال» ساهمت في صياغة وجدان الملايين عن معرفة نخب تؤدي امتحاناً مهنياً، فإننا لا نتحدث عن جهل بأغنية، بل عن مؤشر خطير لتآكل الذاكرة الجمعية وتراجع الاهتمام بالتوثيق الثقافي. إن حماية أثر الإبداع السوداني لم تعد ترفاً، بل هي ضرورة وطنية ملحة لحفظ هويتنا من التلاشي والنسيان.




