
“خامين نفسنا مالكم”.. جملة سودانية بنقولها لما الجيب يبقى فاضي والصدر مليان هم. ونحن اليوم أحوج ما نكون لـ”خمة النفس” هذه، لكن المؤسف أن السوق أصبح يقدم لنا خمة نفس مسمومة.
من المضحك المبكي ما يحدث الآن. في الوقت الذي يباصر فيه المواطن الألف جنيه حتى يوفر حق “الدكوة والسلطة بدون طماطم”
ورد في الأخبار أن أحد أسواق ولاية الجزيرة شهد افتتاح محل متخصص في بيع التمباك وسط حضور لافت وازدحام كبير، تزامناً مع مبادرة لتوزيع التمباك مجاناً في اليوم الأول!!
يعني “الملح” مجاني بوديك مستشفى الأورام السرطانية.
أها يا وزارة الصحة.. جاتكم عديل بالدرب!!
القضية ليست مجرد افتتاح محل. القضية هي تحويل نبتة شديدة الإدمان والخطورة إلى سلعة احتفالية توزع مجاناً لاصطياد زبائن جدد، وجلهم من الشباب وصغار السن.
ولمن لا يعرف، التمباك السوداني ليس مجرد تبغ. هو تبغ تتم زراعته وتجفيفه وتخميره بخلطه بمادة “العطرون” (كربونات الصوديوم) لزيادة امتصاص النيكوتين بشكل صاروخي. هذه الخلطة تجعله أكثر إدماناً من السجائر بمرات عديدة، وتحوله بفعل التخمير إلى قنبلة من المواد المسرطنة.
والنتيجة التي نراها في مستشفياتنا كل يوم: سرطان الفم واللثة واللسان، تآكل الأسنان، وأمراض القلب والضغط. وتشير دراسات سودانية إلى أن متعاطي التمباك أكثر عرضة للإصابة بسرطان الفم بسبع مرات من غير المتعاطي.
إننا لا نواجه عادة اجتماعية فقط، نحن نواجه كارثة صحية صامتة تستغل الوضع الاقتصادي والفراغ النفسي الذي يعيشه المواطن.
ماذا نطلب من وزارة الصحة؟! الأمر لا يحتاج لمؤتمرات، بل لقرارات واضحة:
أولاً.. منع الترويج والتوزيع المجاني للتبغ ومشتقاته منعاً باتاً واعتباره جريمة صحية، ومحاسبة هذا المحل في الجزيرة ليكون عبرة لغيره.
ثانياً.. عدم الترخيص لمحلات بيع التمباك قرب المدارس والأسواق الشعبية، وفرض ضرائب عالية عليه تخصص لدعم مراكز علاج الأورام.
ثالثاً.. إطلاق حملة قومية للفحص المبكر لسرطان الفم في ولايات الإنتاج والاستهلاك، وحملة توعية لا تخاطب الناس بلغة الأرقام الباردة، بل بلغة “الجيوب الفاضية والخمة المسمومة”.
وأخيراً.. التمباك ليس رجالة ولا مزاج، هو إدمان كيميائي يسرق صحتك وقروشك القليلة. وتركه ممكن، يبدأ بتقليل الكمية واستبدال “السفة” بالمسواك أو القرنفل، والإرادة وحدها لا تكفي، اطلب المساعدة من أقرب طبيب أو مركز صحي.
حماية المواطن من هذه النبتة هي حماية لما تبقى له من نفس طالع ونازل.
وليه الناس ما سألت تجار الصعوط.. هم ما بسفوا ليه؟!
لو عرفوا الإجابة، ما أظن في زول تاني يخت ليهو سفة في خشمو.
آها وريناكم وانتو على كيفكم. بكرة بتخمو نفسكم على مستشفى الأورام براكم، والحكومة تتحمل مصاريف علاجكم، لا إيدها لا كراعها.
.. نسأل الله السلامة للجميع..




