راي

(خمة نفس) ــ عبدالوهاب السنجك يكتب: أولاد الفيل “عندك ما عندك شيل” عمل الخير معدي ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

كنا نظن أن العدوى لا تأتي إلا بالمرض.. حتى اكتشفنا أن الخير أشد عدوى من المرض نفسه.

كيف يكون الخير معدي..؟!

رأيناه معدياً في أحلك أيام الجزيرة.. أيام المليشيا المتمردة حين انقطع كل شيء إلا عمل الخير.

كان صحن “البليلة” يخرج من أول بيت في الحلة.. فيقسم على سبعة بيوت.. وكانت “العصيدة” في بيت واحد.. تأكل منها الحلة كلها..

وكان عمل الخير من الأهل والجيران هم الدولة الحقيقية.. فتحوا بيوتهم “تكايا”.. نارها ما انطفت.. وحلتها ما فضت..ولا أنكشحت.

والمغتربين شالوا الشيلة عدييل ما انكسروا.. شالوا هم الوطن والزول الكبير والصغير القريب والبعيد.

ومن بين كل قصص عمل الخير.. تظل قصة واحدة محفورة في القلب.. وأصل الحكاية بدت من هنا..

المليشيا المتمردة استباحت الخرطوم، فقرر أخونا سليمان محمد عبدالله المشهور بـ “الفيل” الرحيل والنزوح لولاية الجزيرة ببقره الحلوب وهو وأولاده على وعدي وحميد حيث الماء والكلأ، قاصداً ود المجدوب بودمدني ليستقر بإحدى المزارع بما رزقه الله، غير أن المليشيا ومعاونيها لم تترك لأهل الجزيرة خيراً، فضاق الحال فاشتدت على المواطن الحاجة والطلب.

حاج سليمان “الفيل” وهو من سكان غرب المناقل قرية الخروعة.. كان يحلب البقر صباحاً وعصراً.. وله ولأبنائه جملة واحدة خالدة: “عندك شيل.. ما عندك شيل”.. والحمد لله.. البقرات ما بخلن علينا تب.

كان اللبن يصل للطفل الرضيع.. وللعجوز المريض.. وللمرأة النفساء.. بلا ثمن.. بلا سؤال.. وربنا كان عالم و حارس.

عدوى عمل الخير نجت بقره من المليشيا المتمردة.

المليشيا شالت العربات.. وشالت الدهب.. وشالت أي حاجة .. لكن بقر اللبن ده.. الله عماهم منو.. لأنه ما كان حق زول واحد.. كان حق المساكين كلهم .. وربنا بيحفظ مال الغلابة ..
أخونا الفيل واولادو ما قصروا.. مدو يدهم لكل ذي حاجة” وما ترو لي ورا” والله.. الراكوبة مليانة ضيفان من الجايين والماشين والعصيدة وملاح اللبن حاضر في أي وقت.. ودائما اهلا وسهلا حبابكم مرحبا ياناس على اللسان… أتفضلوا حرم تتفضلوا.. حرم الا تضقوا عصيدتنا دي.

ودخل الجيش مدني وحرر الولاية من دنس التمرد.. وكان سليمان “الفيل” وأولادو من أسعد الناس فرحة وتهليلاً بالنصر الذي عم الولاية.

ثم جاء عمل الخير معدياً من بعيد.. إغاثات دولة قطر.. وخير المملكة العربية السعودية.. وصلتنا حين كنا نظن أن العالم نسينا.. شوال دقيق من قطر كان يتقسم على عشرين أسرة.. وكرتونة تمر من السعودية كانت تفطر حي كامل.

فصار عمل الخير عدوى.. من بقر أولاد الفيل.. إلى تكية الجيران.. إلى الدوحة والرياض.. إلى كل بيت في الجزيرة.

الشر يحتاج لسلاح وتمويل وغرف مغلقة.. لذلك مات سريعاً وهرب.

أما عمل الخير.. فكان يمشي حافياً بين التكايا.. ويحلب مع أولاد سليمان الصباح والمساء.. لذلك بقي.. يا ربي كم من أمثال أولاد سليمان “الفيل” حفظهم الله بستره وعنايته ورعايته.. يارب.

خمة نفس أخيرة:

لا تستهين بكباية لبن أديتها لجارك أيام الحرب.. فربما كانت تلك الكباية هي السبب أن الله نجى بقرك..وغنمك ونجى عرضك.. ونجى حلتك كلها.. فالخير يحفظ صاحبه.. والخير إذا بدأ من الجزيرة.. لا ينتهي بحول الله تعالى.

جيش واحد.. شعب واحد..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى