مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ كامل إدريس.. من مواجهة الأزمات الاقتصادية إلى مقارعة الصحفيين! ــ بعانخي برس
بعانخي برس

حين تتقدم الخصومات على أولويات المواطن، وتُستنزف طاقة الحكومة في معارك جانبية، يصبح السؤال مشروعاً: أين موقع معاش الناس من أجندة حكومة الأمل؟
في الدول التي تواجه أزمات اقتصادية ومعيشية معقدة، لا تُقاس كفاءة الحكومات بكثرة المؤتمرات الصحفية، ولا بعدد البيانات التي تتحدث عن وفرة السلع واستقرار الأسواق، وإنما بقدرتها على تحويل السياسات والوعود إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالمواطن لا ينتظر من حكومته أن تخبره فقط بأن الأسواق عامرة، بل يريد أن يعرف كيف يستطيع شراء ما يحتاج إليه، وكيف يواجه تكاليف المعيشة المتصاعدة، وكيف يوفر لأسرته الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه على رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس ليس سؤالاً عابراً، ولا محاولة لإثارة الجدل، وإنما هو سؤال يرتبط بجوهر المسؤولية العامة: هل أصبحت مقارعة الصحفيين وملاحقتهم قضائياً أولوية تتقدم على معالجة الأزمات الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن السوداني؟ وهل يمثل الانشغال بالخصومات الإعلامية نجاحاً يُضاف إلى سجل الحكومة، أم أن النجاح الحقيقي يبدأ من معالجة أوجاع الناس؟
المواطن أولاً.. أم معارك الكلام؟
لا أحد فوق النقد، ولا توجد حكومة معصومة من الخطأ، كما أن المسؤول العام، بحكم موقعه، يظل عرضة للمساءلة الإعلامية والشعبية. وهذه ليست انتقاصاً من مكانته، بل جزء أصيل من طبيعة الحكم المسؤول، الذي يقوم على الشفافية والمحاسبة واحترام حق المجتمع في معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة.
ومن حق أي مسؤول أن يدافع عن سمعته، وأن يلجأ إلى القضاء إذا رأى أن هناك تجاوزاً يستوجب المساءلة القانونية، وفقاً للقانون والإجراءات العادلة. لكن الإشكال يبدأ عندما يبدو أن الخصومة مع الصحفيين تستحوذ على مساحة أكبر من الاهتمام العام، بينما تظل الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والمعيشة والخدمات الأساسية معلقة تنتظر إجابات عملية.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام مسبقة على أي قضية قضائية، أو مصادرة حق أي طرف في الدفاع عن نفسه، وإنما نطرح سؤال الأولويات: هل تحتاج البلاد في هذه المرحلة إلى توسيع دائرة الاشتباك مع الأقلام الناقدة، أم إلى حوار مسؤول يضع قضايا المواطنين في مقدمة الاهتمامات؟
إن رئيس الوزراء الذي يقود حكومة في ظروف استثنائية لا يُنتظر منه أن ينتصر في سجال مع صحفي، بقدر ما يُنتظر منه أن ينجح في معركة أكبر وأهم؛ معركة استعادة الاستقرار الاقتصادي، وتحسين الخدمات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وإعادة الثقة في قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأزمات.
الاقتصاد لا ينتظر.. والناس لا تأكل الوعود
دعونا نخرج من ضجيج السجالات إلى واقع المواطن السوداني، حيث تتقدم الأسئلة الصعبة على كل شيء آخر.
كيف تستطيع أسرة محدودة الدخل مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء؟ وما الذي تفعله الحكومة لتقليص الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة؟ وكيف يمكن للموظف الذي يتقاضى راتباً ثابتاً أن يوفر احتياجات أسرته في ظل التغيرات الاقتصادية؟ وما السياسات التي تضمن وصول السلع الأساسية إلى المواطنين بأسعار تتناسب مع قدراتهم الشرائية؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر المشهد العام، لا لأنها أكثر إثارة للجدل، بل لأنها تمس حياة الناس مباشرة.
فوفرة السلع في الأسواق لا تعني بالضرورة تحقق الأمن الغذائي، كما أن الإعلان عن توافر الوقود لا يعني انتهاء أزمة المواصلات، ولا يكفي الحديث عن استقرار الإمدادات إذا ظلت تكاليف الحصول على الخدمات الأساسية خارج قدرة قطاعات واسعة من المواطنين.
الأمن الغذائي ليس أن يجد المواطن السلعة فحسب، بل أن يمتلك القدرة على شرائها. والنجاح الاقتصادي ليس أن تعلن الحكومة عن تحسن المؤشرات، بل أن يشعر الناس بنتائج هذا التحسن في موائدهم ومنازلهم وحياتهم اليومية.
وهنا تبرز مسؤولية حكومة الأمل في تقديم رؤية اقتصادية واضحة، تتضمن مؤشرات قابلة للقياس بشأن الأسعار والأجور والإنتاج والتوزيع، وتشرح للمواطن ما تحقق، وما تعثر، وما الذي تنوي الحكومة فعله لمعالجة الاختلالات.
أما ترك المواطن بين وعود متكررة وواقع معيشي ضاغط، فإنه يوسع المسافة بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية، ويجعل الثقة في السياسات العامة مرتبطة بما يراه الناس، لا بما يسمعونه في المؤتمرات.
السلطة الرابعة.. ليست خصماً للحكومة
كنت أتساءل، خلال سنوات الدراسة، عن المعنى الحقيقي لوصف الصحافة بالسلطة الرابعة، قبل أن أتعمق في عالم الإعلام وأدرك أن الصحافة ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما مؤسسة مجتمعية تؤدي دوراً مهماً في الرقابة على الأداء العام، وكشف أوجه القصور، وطرح الأسئلة التي قد لا تجد طريقها إلى المنابر الرسمية.
وليس كل من أمسك بالقلم صحفياً مهنياً، كما أن الصحفي ليس معصوماً من الخطأ، ولا يجوز أن تتحول حرية التعبير إلى غطاء لنشر معلومات كاذبة أو توجيه اتهامات بلا أدلة. فالمهنة لها أخلاقياتها، والنقد المسؤول له ضوابطه، والحق في التعبير يقابله واجب تحري الدقة واحترام حقوق الآخرين.
لكن هذه الاعتبارات لا تلغي حقيقة أساسية، وهي أن الصحافة المهنية ليست عدواً للدولة، وأن النقد لا يعني بالضرورة الاستهداف، وأن مساءلة المسؤولين ليست مؤامرة على المؤسسات.
بل إن الحكومة التي تستمع إلى النقد وتتعامل معه بموضوعية تستطيع أن تكتشف مواطن الخلل مبكراً، وأن تصحح قراراتها قبل أن تتفاقم آثارها. أما الحكومة التي تنظر إلى كل صوت مخالف باعتباره خصماً، فإنها تخاطر بتحويل النقد من فرصة للتصحيح إلى مساحة للتوتر والاحتقان.
إن قوة المسؤول لا تظهر في قدرته على إسكات منتقديه، وإنما في قدرته على تقديم إجابات مقنعة، وإثبات صحة قراراته بالأرقام والنتائج، والاعتراف بالخطأ حين يثبت، وتصحيح المسار عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك.
هل تتحول المعارك الإعلامية إلى بديل عن الإنجاز؟
السؤال هنا ليس متعلقاً بشخص رئيس الوزراء وحده، وإنما بطبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط الحكومة بالإعلام في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تعبئة جميع طاقاتها من أجل التعافي وإعادة البناء.
فالسودان، بعد ما شهده من حرب ودمار ونزوح واضطراب في النشاط الاقتصادي والخدمات، يحتاج إلى خطاب رسمي يشرح الحقائق، وإعلام مهني يراقب الأداء، ومؤسسات تستجيب للملاحظات، ومساحات للحوار تسمح بتبادل الرؤى حول الحلول الممكنة.
وفي مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن تتحول الاختلافات بين المسؤولين والصحفيين إلى محور يطغى على القضايا الكبرى. فالمواطن الذي ينتظر تحسن الخدمات لن يجد في السجالات الإعلامية بديلاً عن الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم، والأسرة التي تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية لن تستفيد من انتصار طرف على آخر في معركة كلامية.
ومن حق الرأي العام أن يسأل عن حصيلة الأداء الحكومي، وأن يعرف ما الذي تحقق في الملفات الاقتصادية، وما الخطوات التي اتخذت لتخفيف الأعباء المعيشية، وما الإجراءات التي تستهدف زيادة الإنتاج، وضبط الأسواق، ومعالجة الاختلالات في الإيرادات والإنفاق العام.
كما أن من حق الحكومة أن تعرض وجهة نظرها، وأن تفند ما تعتبره معلومات غير دقيقة، وأن تقدم للرأي العام البيانات التي تساعده على تكوين موقف مستنير.
لكن الفيصل في النهاية ليس عدد البيانات ولا حدة الردود، وإنما النتائج التي يمكن التحقق منها على أرض الواقع.
يا كامل إدريس.. هذه هي المعركة التي ينتظرها المواطن
إن معركتك الحقيقية ليست مع صحفي كتب مقالاً ناقداً، ولا مع قلم اختلف معك في تقييم الأداء الحكومي، وإنما مع الأزمات التي تنتظر حلولاً، والتحديات التي تحتاج إلى قرارات، والتوقعات الشعبية التي لا يمكن تلبيتها بمجرد الخطاب السياسي.
معركتك مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ومع تراجع القدرة الشرائية، ومع ضعف الخدمات، ومع العقبات التي تواجه الإنتاج والاستثمار، ومع كل ما يحول دون وصول ثمار السياسات الاقتصادية إلى المواطن.
ومعركتك أيضاً مع البيروقراطية التي تعطل الإنجاز، والتنسيق الضعيف بين المؤسسات، وأي قصور في تنفيذ الخطط المعلنة. فالحكومة لا تعمل عبر رئيس الوزراء وحده، وإنما من خلال منظومة متكاملة من الوزارات والأجهزة التنفيذية، ولذلك فإن نجاحها يتطلب وضوح المسؤوليات، ومتابعة الأداء، ومحاسبة المقصرين وفق القانون، وإعلان النتائج بشفافية.
وإذا كانت هناك معلومات غير صحيحة تُنشر عن أداء الحكومة، فإن أفضل رد عليها هو تقديم الحقائق والأرقام والوثائق، وفتح الملفات أمام الرأي العام، حتى يكون الحكم على أساس المعلومات لا الانطباعات.
أما إذا كان النقد صحيحاً في بعض جوانبه، فإن التعامل معه بوصفه فرصة للمراجعة والتصحيح سيكون أكثر فائدة للدولة والمواطن من تحويله إلى خصومة تستنزف الوقت والجهد.
فهل يُقاس نجاح حكومة كامل إدريس بعدد المعارك التي تخوضها مع الصحفيين، أم بعدد الأزمات التي تنجح في حلها، والاحتياجات التي تستطيع توفيرها، والأعباء التي تخففها عن المواطن؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في كل نقاش حول أداء الحكومة وأولوياتها.
الأقلام تُحاسب.. والحكومات تُحاسب أيضاً
إن المسؤولية العامة لا تعني أن الحكومة مطالبة بقبول كل ما يُكتب عنها دون رد، كما لا تعني أن الصحفي يملك حصانة من المساءلة القانونية. فالجميع يخضع للقانون، والجميع مطالب باحترام الحقيقة وحقوق الآخرين.
لكن العدالة تقتضي أيضاً أن يكون النقد متاحاً، وأن تُصان حرية الصحافة، وأن تُدار الخلافات وفق قواعد واضحة، بعيداً عن التخوين والتشهير والضغط، وبما يضمن حق كل طرف في الدفاع عن نفسه أمام الجهات المختصة.
فالصحافة التي تتجاوز المهنية ينبغي أن تراجع أداءها، والحكومة التي تتعثر في إدارة الملفات العامة ينبغي أن تخضع للمساءلة. ولا تعارض بين الأمرين؛ بل إن قيام كل طرف بمسؤوليته هو ما يعزز دولة القانون والمؤسسات.
ولعل ما يحتاج إليه المشهد السوداني اليوم هو الانتقال من منطق الخصومة إلى منطق المسؤولية، ومن الانشغال بمن قال ماذا، إلى البحث عما يمكن فعله لتحسين حياة الناس.
فالوطن أكبر من الأشخاص، ومؤسسات الدولة أكبر من المناكفات، ومعاناة المواطن أكبر من أن تُترك على هامش المشهد العام.
أخيراً.. أين نقف من قضايا الناس؟
يا حكومة الأمل، إن المواطن السوداني لا يطلب المستحيل، وإنما يريد أن يرى أثراً ملموساً لوجود الحكومة في حياته؛ يريد أسعاراً يمكن احتمالها، وخدمات أكثر استقراراً، وفرصاً للعمل والإنتاج، وسياسات واضحة لا تتغير دون تفسير، ومؤسسات تستمع إلى شكواه وتتعامل معها بجدية.
ويريد أيضاً إعلاماً مهنياً يطرح الأسئلة الصعبة، وحكومة تمتلك الشجاعة الكافية للإجابة عنها، حتى عندما تكون الإجابة غير مريحة.
أما الدكتور كامل إدريس، فإن الحكم على تجربته في رئاسة الحكومة لن تصنعه سجالاته مع الصحفيين، ولا ردود الفعل حول خلافاته الإعلامية، وإنما ستصنعه حصيلة الأداء، ومدى قدرته على معالجة الملفات التي تمس حياة المواطنين، وما يقدمه من نتائج يمكن قياسها ومراجعتها.
فالسؤال ليس: هل انتصرت الحكومة في معركة مع الصحافة؟ بل: هل انتصر المواطن على أزماته المعيشية؟
وهنا يكمن الفرق بين الانتصار في الكلام والنجاح في إدارة الدولة.
فالسودان الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الجانبية، وإنما يحتاج إلى إرادة للعمل، وقرارات مدروسة، ومؤسسات قوية، وإعلام مسؤول، وحكومة تجعل الإنسان السوداني محور سياساتها وغايتها الأولى.
فيا كامل إدريس، اجعل معركتك الكبرى مع الفقر والغلاء وتعثر الخدمات، ودع الإنجاز يتحدث عن حكومتك. فالأقلام قد تختلف، والآراء قد تتباين، لكن المواطن سيظل ينتظر الإجابة الأهم: ماذا تغير في حياته؟





