م.نادر ذكي الشريف يكتب .. قالها عقار… وكانت كلمته تشبه حدَّ السيف ساعةَ الفصل: “أنا وحدويٌّ من رأسي إلى أخمص قدمي.” ــ بعانخي برس
بعانخي برس

رجلٌ سبق زمنه، وقائدٌ قرأ السياسة كما تُقرأ خرائطُ الحرب، فعرف أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالمواقف .
إنه الفريق مالك عقار… حكيمُ إفريقيا في نظر كثيرين، وصاحبُ المبادرات التي سعت إلى توحيد الجبهة الداخلية، وأولُ من دفع بقواته لتلتحم مع الجيش، ليكون الهدف: جيشًا واحدًا… وسودانًا واحدًا.
لم يكن حديثُ الوحدة عنده خطابَ منابر، بل فعلًا سبق اتفاق جوبا وبعده، وكان همُّه السودانَ كلَّه، من أقصى الجبال حتى ضفاف النيل.
حين تجلس إليه، تعرف منذ اللحظة الأولى أنك أمام قائدٍ يملك سرعة البديهة، وحضور المعرفة، وهدوء الواثق الذي خبر الحرب والسياسة معًا.
وليس هذا إطراءً… بل شهادةُ من رأى.
كنتُ في الدمازين، ورأيتُ كيف لبّى الناسُ نداء الوطن. رأيتُ المتطوعين يأتون من كل الجهات: مشاةً من الجبال، وراكبين على نفقتهم الخاصة، شيوخًا وشبابًا… بل وحتى النساء، وقد ضاقت بهم الساحات من كثرتهم.
وحين ضاقت الأرض، فتح عقار بيته للمتطوعين، يصير البيتُ معسكرَ وطن، ويصير الخبزُ رسالةَ محبة.
ورأيتُ أحد أبناء مالك عقار يحمل الطعام للمتطوعين من محصول الذرة الذي زرعه بيده، يشرف على خدمتهم بمحبة، لا بأمرٍ ولا تكليف، لكن لأن حبَّ السودان تربيةٌ تسري في الدم.
كانوا يهتفون: “الخرطوم جوه!” وكان الحماس يمشي بينهم كالنار في الهشيم.
وفي وقتٍ تردد فيه كثيرون، كانت قوات عقار قد أعدّت العدة للاتحام مع القوات المسلحة، في مواجهة الجنجويد والغدر الذي أصاب البلاد.
ثم جاء خطاب قائد الفرقة الرابعة، تماسيح النيل الأزرق، وبدأ العدُّ التنازلي.
اشتعلت الحرب… وكان مالك عقار يجوب الساحات، داعمًا للقوات المسلحة، مؤمنًا بأن الوطن لا يُباع بدراهم الإمارات ولا بتحالفات المصالح.
وحين ظل القائد عبد الفتاح البرهان صامدًا تحت الحصار، كان هناك رجالٌ يسدّون الثغرات، ومن بينهم الفريق مالك عقار: حكمةً… وقوةً… وحزمًا.
ومن هنا، تأتي الدعوة إلى رئيس الوزراء كامل إدريسأن يعرّج على إقليم النيل الأزرق، هذا الإقليم العظيم بموارده وإنسانه، ليرى جمال الناس في باو، وقيسان، والرصيرص، والدمازين، وليرى شعبًا صبورًا، يصنع الحياة رغم الرماد.
كما تمتد الدعوة إلى وزراء الثقافة والصحة والصناعة، ليشهدوا عظمة هذا التنوع، وثراء هذا الإنسان السوداني المعطاء.
فالسودان… لم يهن يومًا على أهله، ولن ينكسر ما دام فيه رجالٌ آمنوا أن الوطن قضيةُ روح، لا صفقةُ عابرة.
أبدًا… ما هنتَ يا سودانُ يومًا علينا.
مهندس نادر ذكي الشريف





