راي

شيء للوطن ــ م.صلاح غريبة Ghariba2013@gmail.com ــ السودان: خط أحمر والقاهرة لن تقبل بـ “الدولة الموازية” ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في توقيت بالغ الحساسية من عمر الأزمة السودانية، جاءت تصريحات وزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، خلال المؤتمر الصحفي مع كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي، لترسم ملامح “العقيدة السياسية المصرية” تجاه الجار الجنوبي. لم تكن الكلمات مجرد عبارات دبلوماسية معتادة، بل كانت رسائل استراتيجية شديدة الوضوح موجهة للداخل السوداني، والإقليم، والمجتمع الدولي بأسره.
الرسالة الأبرز التي حملها الخطاب المصري تمثلت في رفض “المساواة” بين القوات المسلحة السودانية وأي كيانات مسلحة أخرى. هذا الموقف يعكس رؤية القاهرة في أن جيش الدولة هو العمود الفقري لبقائها، وأن محاولات وضع “المؤسسة الرسمية” في كفة واحدة مع “الميليشيات” أو “الكيانات الموازية” هي وصفة مباشرة لتفكيك الدولة.
مصر تدرك أن سقوط المؤسسات الوطنية في الخرطوم لا يعني غياب السلطة فحسب، بل يعني تحول السودان إلى بؤرة للصراعات المفتوحة التي تهدد الأمن القومي المصري بشكل مباشر. لذا، جاء التأكيد القاطع: مصر لن تقبل بانهيار السودان أو تقسيمه.
تجاوز الوزير عبد العاطي لغة “التضامن” ليصل إلى لغة “المصلحة الوجودية”، مؤكداً أن مصر تتضرر بشكل بالغ ومباشر من استمرار النزاع. فالأمر ليس مجرد اضطراب في دولة جارة، بل هو مساس بدائرة الأمن القومي اللصيقة. ويمكن تلخيص الأبعاد التي ناقشها اللقاء في النقاط ومنها: وحدة الأرض ورفض أي سيناريوهات لتقسيم السودان إلى دويلات أو مناطق نفوذ، وشرعية المؤسسات بدعم الدولة السودانية بمؤسساتها الوطنية كضمانة وحيدة للاستقرار، ومواجهة الكيانات الموازية بقطع الطريق أمام أي محاولات لشرعنة أجسام مسلحة خارج إطار الدولة.
وضع الوزير المصري المجتمع الدولي، ممثلاً في الاتحاد الأوروبي، أمام مسؤولياته. فمصر التي تستضيف الملايين من الأشقاء السودانيين واللاجئين من دول أخرى، باتت تتحمل أعباءً اقتصادية واجتماعية هائلة في ظل ظرف عالمي معقد.
المطالبة بـ “تشارك الأعباء” ليست استجداءً للمساعدات، بل هي دعوة لتبني مقاربة واقعية تعترف بدور مصر كحائط صد رئيسي أمام موجات الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا. المقترح المصري بتحويل القاهرة إلى “مركز إقليمي لتقديم الدعم الإنساني” يمثل حلًا ذكيًا وعمليًا لنقل المساعدات إلى بؤر الأزمات، وضمان وصولها لمستحقيها بفاعلية.
إن الموقف المصري يضع النقاط على الحروف في لحظة يختبر فيها السودان أخطر تهديد لوجوده. القاهرة لا ترى في السودان مجرد “ملف سياسي”، بل تراه عمقاً استراتيجياً وتاريخياً. ومن هنا، فإن الحراك الدبلوماسي المصري الأخير يهدف إلى حشد موقف دولي (أوروبي تحديداً) يدعم “مفهوم الدولة” لا “سلطة الأمر الواقع”، ويدفع باتجاه حل يحفظ للسودان وحدته وسيادته.
يبقى السؤال للمجتمع الدولي: هل سيلتقط الاتحاد الأوروبي الرسالة المصرية ويتحرك بجدية لتخفيف الأعباء ودعم استقرار المؤسسات الوطنية، أم سيظل يراقب المشهد من بعيد بينما تتسع رقعة الأزمات؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى