شيء للوطن ــ م. صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com ــ سواعد بالخارج وعقول بالداخل: رهان الدولة على “الشباب” لإعادة الإعمار ــ بعانخي برس
بعانخي برس

في لحظة تاريخية فارقة من عمر الوطن، تبرز قضايا الشباب والمهجر كأحد أهم المرتكزات التي يجب أن يقوم عليها مشروع النهضة الوطني المرتقب. إن التحرك الأخير الذي شهدناه في أروقة مؤسسات الدولة المعنية بشؤون السودانيين بالخارج ووزارة الشباب والرياضة، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو وضع لحجر الزاوية في بناء “جسر معرفي واقتصادي” يربط بين طموحات الشباب في الداخل وخبرات وإمكانيات المهاجرين، وهو ما يدفعنا للتساؤل: هل نحن أمام ميلاد استراتيجية جديدة لتحويل “الهجرة” من استنزاف للعقول إلى استثمار في الموارد؟
إن الاتفاق على تفعيل الشراكة في مجالات التدريب المهني والحرفي المتقدم، والصناعات الصغيرة، والذكاء الاصطناعي، يمثل قراءة واعية لمتطلبات العصر. فلم يعد التعليم التقليدي كافياً لمواجهة تحديات البطالة أو متطلبات إعادة الإعمار؛ بل بات “تمليك المهارة” هو العملة الصعبة التي تضمن للشباب مكاناً في سوق العمل المحلي والدولي. وحينما يتقاطع دور جهاز المغتربين مع وزارة الشباب، فإننا نتحدث عن فتح آفاق غير مسبوقة لاستجلاب الخبرات العالمية ونقل التقانة وتوطينها عبر سواعد وطنية شابة، مما يرفع تلقائياً من مؤشرات الاقتصاد الكلي ويدفع بعجلة الإنتاج.
أحد أكثر الجوانب إشراقاً في هذا الحراك هو الالتفات إلى “الشباب العائدين”، أولئك الذين اختاروا العودة الطوعية للمساهمة في بناء بلادهم. إن تسخير إمكانات الدولة لدعم استقرار هؤلاء الشباب ودمجهم في برامج إعادة الإعمار والتنمية هو اعتراف بليغ بأن “العنصر البشري” هو أثمن ما نملك. هؤلاء العائدون يحملون معهم تجارب مختلفة ورؤى متطورة، وتحويلهم إلى قادة لمشاريع التنمية في المناطق المتأثرة بالحرب هو قمة الذكاء الإداري والوطني، لأنه يحول “المحنة” إلى “فرصة” للبناء على أسس سليمة.
علاوة على ذلك، فإن التوجه نحو “تدويل” قضايا الشباب السوداني عبر طلب دعم المنظمات الدولية لرعاية مشروعاتهم، يفتح أبواباً للتمويل والتعاون المعرفي الخارجي. إن ربط الشباب السوداني بسوق العمل الخارجي عبر وظائف “مجدية وكريمة” ليس دعوة للاغتراب، بل هو تنظيم لعملية انتقال العمالة الماهرة بما يضمن حقوقهم من جهة، ويدعم التدفقات النقدية والخبراتية للبلاد من جهة أخرى.
إن المؤتمر القومي الثاني للشباب المزمع عقده في “كسلا” تحت شعار (شباب الأمل… سواعد البناء وعقول النماء) يجب أن يكون المنصة التي تتحول فيها هذه التفاهمات إلى مصفوفة تنفيذية. لا نريد شعارات رنانة، بل نريد خرائط طريق واضحة لكيفية استيعاب طاقات الشباب في الصناعات التحويلية، والطب المعرفي، والتقنيات الحديثة.
إن الشراكة بين المؤسسات المسؤولة عن المغتربين وتلك المسؤولة عن الشباب هي في جوهرها “تحالف بين الحاضر والمستقبل”. فالمغتربون هم رصيدنا من الخبرة والتمويل والارتباط بالعالم، والشباب هم محرك التنفيذ وطاقة التغيير. وإذا ما نجح هذا التحالف في خلق بيئة حاضنة للصناعات الصغيرة والمتناهية الصغر، فإننا سنشهد ثورة إنتاجية حقيقية تبدأ من الورش والمختبرات لتصل إلى الأسواق العالمية.
ختاماً، إن الرهان على الشباب في مرحلة ما بعد الحرب ليس ترفاً، بل هو ضرورة وجودية. وما نراه اليوم من تنسيق عالي المستوى يعطي بارقة أمل بأن الدولة بدأت تدرك أخيراً أن الطريق إلى “الجمهورية الجديدة” يمر عبر جسرين لا ثالث لهما: العلم المبدع والسواعد المدربة، وهما الصفتان اللتان تتوفران في جيل يرفض الانكسار ويصر على البناء.





