
*شاهيناز القرشي*
غادر بالأمس مسعد بولس المملكة العربية السعودية، ونشر صورًا للشخصيات التي اجتمع بها، وذكرهم بالاسم، وليس من بينهم البرهان، على الرغم من وجودهم في نفس البلد ونفس التوقيت لمناقشة نفس القضية .
وهذا التصرف من مسعد بولس لم يكن مصادفة بل هو نتيجة مباشرة لهجوم البرهان على مسعد بولس بشكل شخصي، وحاول أن يتعامل معه معاملته مع السياسيين السودانيين حيث يمكنه اتهامهم وتجريمهم دون حسيب ولا رقيب.
على الأمة السودانية، قيادةً وشعبًا، أن تعي أن تعدّي الخطوط الدبلوماسية مع الشخصيات الاعتبارية لن يمر مرور الكرام إذا كنت ستجتمع بهم أو تجمعك بهم الأحداث. يجب عليهم أن يتعلموا أن للاعتراض طرقًا لا تُشبه طرق عمر البشير الرعناء التي تُشبه طريقة شيخ قبيلة في قرية مغمورة لديه خلاف مع البلدة المجاورة حول ثلاث معزات وكلب.
عمر البشير الذي ظل محاصرًا لعشرات السنين، فقد حقه في أن يكون ممثلًا للشعب في محافل مهمة، ورئيسًا كامل الصلاحيات داخل بلاده وخارجها. فالعالم تعامل مع البشير كشخصية اعتبارية. لنتوقف عند كلمة “اعتبارية” وماذا تعني؟ تعني أن هناك شخصًا يمثّل مؤسسة أو شركة أو جهة ما، ويمكنه إبرام العقود والاتفاقات باسمها والحديث كممثل لها.
فعندما تهاجم شخصية اعتبارية بقيمة رئيس الدولة شخصيةً اعتباريةً أخرى، يُفسَّر هذا على أنه هجوم دولة على دولة، ولا يُعتبر الأمر صادرًا عن شخص ضد شخص. وطالما أن الشعب وكل من يعجبه طريقة البشير في الحكم يشجعون ويصفقون كلّما تجاوز أحدهم الحدود الدبلوماسية، سنظل دولة متخلفة تجهل مؤسساتها كيفية أداء واجباتها، ويجهل شعبها حقوقه.
وحتى لا نظلم البشير، فوضعه كان مختلفًا، حيث كان السودان بلدًا موضوعًا تحت العقوبات، وتُرِك هناك ونسيه العالم. وخطابات البشير لم تكن تنقلها القنوات الإقليمية والعالمية، ويظل تأثيرها مقتصرًا على رقصته عقب المخاطبة مع أغنية “المدفع الرزام”.
الآن السودان موضوع تحت دائرة الضوء لعدة عوامل؛ أهمها وصول الشعب السوداني إلى الوسائط، فأصبح يعكس واقعه وثقافته وأحداثه الداخلية، فصار هناك ملايين المتابعين لهذه الأحداث. ومؤخرًا ركزت الكثير من القنوات والمواقع والصحفيين والسياسيين والناشطين حول العالم على ما يحدث في السودان.
والعامل الأكبر: تضارب المصالح الإقليمية والعالمية، ومحاولة السودان اللعب مع وعلى المتناقضات، واشتداد الصراع حول البحر الأحمر مع توقع انفجار حروب كبرى في عدة جهات من العالم، سواء بين أمريكا والصين إذا حاولت الأخيرة مهاجمة تايوان، أو بين روسيا وأوروبا، او إسرائيل وإيران.
ونتيجة للعب السودان على المتناقضات والرقص على رؤوس الأفاعي، لا يوجد للسودان حليف استراتيجي واحد. لأن من يلعب على المتناقضات يجب أن يمتلك السلطة والقوة ليستطيع السيطرة على الأحداث، ولا تنجرف في اتجاه غير مرغوب فيه، ولا تتوسع الأزمة، أو على الأقل يكون قادرًا على تهديد مصالح مهمة لمن يلعب ضدهم أو معهم حتى لا يُدفَع خارج اللعبة ويظل وجوده مهمًا.
بالإضافة إلى كل ما سبق، يحقق السودان مصالح مرحلية بهذا الأسلوب، وفي غالبها تتمثل في السلع؛ إن كان تصديرًا (ذهبًا) أو استيرادًا (قمحًا، بترولًا، معدات سلاح)، أو استثمارات صغيرة مقارنة باستثمارات نفس الدول في دول أخرى. ويُجبر السودان على تحويل المسار ليحقق هدفًا مرحليًا آخر، وكانت النتيجة خسائر فادحة في العلاقات الخارجية.
ويجد الجيش أن أغلب العالم لا يرى فيه حليفًا ولا جهة يثق بها ويمنحها القوة للقضاء على ميليشيا صنعها وتمردت عليه. وطبعًا يُفسَّر الأمر على أن السودان مستهدف، وأن هذه مؤامرة علينا.
ماذا يتوقع شعب السودان وحكومته؟
أن يكون اللاعب الوحيد؟
أن يقف هذا العالم الفاجر متفرجًا على دولة متبرجة بمواردها، لعوب تميل لأحدهم فترفع آماله في الوصول إليها، ثم تقفز إلى آخر تسأله عن رأيه في ثوبها الجديد؟
نعم، هذا العالم فاجر، ولكنه يضع مصالحه الاستراتيجية أولًا، ولن تنال الدول اللعوب إلا الفتات، وربما تقابل سفّاح نيويورك في احد الازقة ليحول مسار قصتها من الجميلة اللعوب الى قصة جريمة فصل الراس عن الجسد.




