راي

حرف ومعنى ــ  منى حمزة ــ التعافي الوجداني ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

عندما يتبدل إحساس الخوف إلى طمأنينة، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يتبدل إحساس الألم والوجع إلى راحة، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يتبدل إحساس المرض والإعياء إلى شفاء، وتلتئم الجروح، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يتبدل الفقر والجوع والعوز بالشبع والاكتفاء، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يتبدل إحساس النهاية، ونحن ننظر إلى تلك المدينة ونحن خارجون منها إلى المجهول، بالعودة إليها، وإلى شوارعها، وإلى السحنات التي نحب، وإلى الأسواق المكتظة بالباعة، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يتبدل إحساس الشوق والشجون والوجد لأناس عزيزين فقدناهم ورحلوا إلى المجهول بسبب الحرب، إلى لُقية حتمية في براحات الوطن، لُقية تنهمر فيها دموع اللقاء وتطفئ نار الشوق، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما نستطيع أن نودع موتانا بالبكاء والدعاء، وبالستر والدفن مع بقية الموتى في المقابر، بعد ما فقدنا الكثيرين ولا نعرف أين أجداثهم، وفقدنا الكثيرين ولم نستطع فرز أشلائهم، عندما نستطيع ذلك البكاء ساعة الفراق بين الأهل والأعزاء، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما نستطيع أن نبتهج ونفرح في أعراسنا، ونعد الولائم، ويجتمع الأهل، ونسمع صوت الزغاريد والطرب والرقص والحبور، بعد أن هربنا بالحرائر إلى دول اللجوء ومعسكرات الإيواء، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يمتلئ الشارع بالصغار، يلعبون ويصرخون ويتشاكسون دون خوف أو ترقب، لأنهم حتمًا بعد اللعب إلى البيوت عائدون، فهذا تعافٍ وجداني..
عندما يسود في مدني الحبيبة الأمن والأمان والاطمئنان، لأن هناك من يظل ساهرًا يحمي المدينة ويحرس أمنها، فهذا تعافٍ وجداني…
وعندما نحس جميعًا بحب مدني، ونحرص على إعادة بناء ما دمرته الحرب في كل مكان، ابتداءً بتجميل الشوارع والمرافق العامة وشارع النيل والمؤسسات الخدمية كالمستشفيات والمدارس، ويعمل الشباب بهمة، ذلك الشباب نفسه الذي كان يعمل في دول الإيواء في الحرب، ليله كنهاره، في المصانع والمدارس والمقاهي والمطاعم، عندما يعمل في مدني الحبيبة بعد العودة الحميدة، كلٌّ في مجاله، بحب وتفانٍ، فذلك قمة التعافي الوجداني…
وأنت الآن تتابع هذا المقال في جوالك، أو عبر صفحة جريدة ورقية أو إلكترونية، وأنت في أرض مدني، وراضٍ بكل ما حدث، لأنك ما زلت حيًّا تُرزق بعد الحرب، فهذا تعافٍ وجداني…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى