راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ الأمن القومي السوداني المصري… مصير واحد وتحديات مشتركة ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

من يظن أن الأمن القومي السوداني منفصل عن الأمن القومي المصري، أو أن استقرار أحد البلدين لا ينعكس على الآخر، فإنه يغفل حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. فالسودان بالنسبة لمصر ليس مجرد دولة مجاورة، كما أن مصر بالنسبة للسودان ليست مجرد شريك إقليمي، بل إن أمن البلدين واستقرارهما يرتبطان ارتباطًا وثيقًا يصعب فصله.
ولا يقتصر هذا الارتباط على المصالح الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، رغم عمقها وتشعبها، وإنما يمتد إلى الأمن الاستراتيجي الذي ظل لعقود أحد أهم ركائز العلاقة بين الخرطوم والقاهرة. فما يصيب السودان من اضطراب ينعكس بصورة مباشرة على مصر، كما أن استقرار مصر يمثل عنصرًا مهمًا لاستقرار السودان.
لقد أثبتت الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل أن تداعياتها تجاوزت حدود البلاد، وأثرت في محيطها الإقليمي، وفي مقدمته مصر التي استقبلت مئات الآلاف من السودانيين، وواصلت تقديم أشكال متعددة من الدعم الإنساني والخدمي، إلى جانب استمرار حركة التجارة والإمدادات التي يحتاجها الشعب السوداني في هذه الظروف الاستثنائية.
وفي المقابل، برزت على منصات التواصل الاجتماعي حملات إعلامية تسعى إلى بث الفرقة بين الشعبين، ونشر معلومات مضللة حول العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين، في محاولة لإثارة الشكوك وإضعاف الثقة المتبادلة. ومن الحكمة أن يتعامل المواطن مع هذه الحملات بوعي، وأن يتحرى صحة ما يُنشر قبل تداوله، لأن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما بالمعلومة والشائعة والحرب النفسية أيضًا.
وتؤكد القوانين السودانية المنظمة لعمليات التصدير والاستيراد أن تجارة الصادرات تخضع لضوابط وإجراءات رسمية، تشمل الرقابة الجمركية ولوائح وزارة التجارة، بما في ذلك الالتزام بالإجراءات الخاصة بعائدات الصادر. ومن ثم فإن أي حديث عن تهريب منظم للثروات أو خروج الصادرات خارج الأطر القانونية يحتاج إلى أدلة موثقة، وليس إلى منشورات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أن السودان يعتمد على استيراد نسبة كبيرة من احتياجاته الدوائية، وتعد مصر من أبرز الدول التي تمده بالأدوية والمحاليل الوريدية والعديد من السلع الأساسية. واستمرار هذا التعاون يمثل مصلحة مباشرة للمواطن السوداني، خاصة في ظل الظروف الإنسانية التي فرضتها الحرب.
ولا يمكن إغفال الجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة لتعزيز العلاقات الثنائية، سواء عبر النشاط الدبلوماسي أو التنسيق السياسي، وهو ما انعكس في الحرص المتبادل على اختيار سفراء يمتلكون الخبرة والكفاءة لمواصلة تطوير هذه العلاقة التاريخية الراسخة.
إن ما يجمع السودان ومصر أكبر بكثير من محاولات التشويه، وأقوى من حملات التحريض، فبين الشعبين تاريخ طويل من المصير المشترك، وروابط إنسانية واجتماعية لا يمكن أن تهزها منشورات عابرة أو حملات إلكترونية مجهولة المصدر.
ويبقى الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات، والحفاظ على العلاقات السودانية المصرية مسؤولية مشتركة، لأن استقرار السودان يعزز أمن مصر، واستقرار مصر يعزز أمن السودان، وهذه معادلة أثبتتها الوقائع، وستظل إحدى ثوابت المنطقة مهما تبدلت الظروف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى