م. نادر ذكي الشريف يكتب .. شارع الحوادث بعاصمة الجزيرة مدني… وطنٌ يمشي على قدمين شارع الحوادث… نبض مدني الذي لا يخبو ــ بعانخي برس
بعانخي برس

هم من وطنٍ عمروا الأرض بالخير، وآمنوا بربهم فزادهم هدى، وجعلوا من العطاء رسالةً لا تعرف الانقطاع.
هناك يقف المايسترو ياسر، القلب النابض، عنوانًا للمحبة والرحمة والحياة، وحوله فتياتٌ وفتيانٌ تحلَّوا بأخلاقٍ من ذهب، وصبرٍ استمدوه من نبي الله أيوب عليه السلام، وعزمٍ ورثوه من أصحاب القيم والمروءة.
إنهم رهطٌ يُستضاء بهم في الليالي الحالكة، وبصيصُ أملٍ بقي متقدًا رغم قسوة المحن. شعارهم: “نحن أبناءك في الفرح الكبير.”
روحهم العطاء، ووجوههم السمحة هي سمة أهل مدني، وقد لبسوا ثوب العفة والتجرد ونكران الذات.
ومن لم يعرف شارع الحوادث، ولم يرَ رجاله ونسائه وهم يسابقون الزمن لإنقاذ الأرواح، فقد فاته أن يتذوق لذة العطاء الحقيقية.
لقد نذروا أنفسهم لله، ثم للوطن، ثم لأهلهم. ولم يكن عطاؤهم مقتصرًا على جمع المال لعلاج مريض، أو توفير تكلفة عملية جراحية، أو شراء ضماد؛ بل كانوا السند، والبلسم، والطبيب المواسي، والداعم النفسي للمريض وذويه، يسجلون كل يوم أسمى معاني التفاني والإيثار.
وقد صدق فيهم قول الله تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾
(سورة المزمل: 20).
وقال سبحانه:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
(سورة الحشر: 9).
وقال جل وعلا:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾
(سورة الإنسان: 9).
هؤلاء لم ينتظروا تصفيقًا، ولم يطلبوا شهرةً، بل أيقنوا أن خزائن الله لا تنفد، وأن الجزاء عند الكريم سبحانه أعظم وأبقى.
وكأن المتنبي يصف أصحاب الهمم حين قال:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ.
ويقول أحمد شوقي:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنِّي
ولكن تؤخذُ الدنيا غلابا.
فهم لم يتمنوا الخير للناس فحسب، بل صنعوه بأيديهم، وحملوه إلى كل متألم، وجعلوا من الابتسامة دواءً، ومن الكلمة الطيبة أملًا، ومن الحضور بجوار المريض عبادةً خالصة.
ولسان حالهم قول الشاعر:
إذا كانَ في الناسِ معروفُهم بقي
فخيرُ الفتى ما قدَّمته يداهُ.
إن شارع الحوادث ليس مبنىً من إسمنت، ولا ممرًا بين جدران المستشفى، بل هو مدرسةٌ في الإنسانية، ومنبرٌ للرحمة، ووطنٌ صغيرٌ يسكنه الكبار بأفعالهم لا بأسمائهم.
هناك تُمحى الفوارق بين الناس، فلا يُسأل المريض عن قبيلته، ولا عن لونه، ولا عن ماله، وإنما يُسأل: كيف نخفف عنه ألمه؟
وهناك يتجسد قول النبي ﷺ:
«أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس.»
ويتحقق معنى قوله ﷺ:
«واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه.»
فسلامٌ على شارع الحوادث، وسلامٌ على كل يدٍ امتدت رحمةً، وكل عينٍ سهرت على مريض، وكل قلبٍ جعل من خدمة الناس طريقًا إلى الله.
وسلامٌ على ود مدني، المدينة التي إذا اشتدت الخطوب، أنبتت رجالًا ونساءً يحملون الوطن في قلوبهم، ويكتبون بأفعالهم أجمل قصائد الوفاء.
فإذا سُئل التاريخ يومًا: أين كانت الإنسانية حين أثقلت الحروب كاهل السودان؟ فسيجيب: كانت هنا… في شارع الحوادث بعاصمة الجزيرة مدني، حيث كان الرجال والنساء يصنعون الحياة من قلب الألم، ويزرعون الأمل في وجوه اليائسين، ابتغاء وجه الله وحده.





