راي

عزيزة المعراج تكتب .. ود مدني.. مدينة الحُفر التي تنتظر الطريق ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في ود مدني، لم تعد الشوارع الداخلية مجرد طرقٍ تحتاج إلى صيانة، ولا مجرد ملف خدمي مؤجل ينتظر قراراً أو ميزانية. لقد تحولت إلى امتحان يومي قاسٍ لكرامة المواطن، وإلى شاهدٍ صامت على عجزٍ لا ينبغي أن يطول.
هنا، لا تحتاج إلى مغامرة كي تختبر سوء الطرق. يكفي أن تخرج بسيارتك من شارع إلى آخر؛ فما إن تنجو من حفرة حتى تجد نفسك أمام مستنقع، وما إن تتجاوز منخفضاً حتى تصطدم بمرتفع، وكأن الشوارع صُممت لتختبر مهارة السائق في تفادي الكوارث لا لتسهّل حركة الناس.
بل إن المشاة لم يعودوا بمنأى عن الخطر. السير على بعض الطرق الداخلية صار مغامرة بحد ذاته؛ خطواتٌ محسوبة بين الحفر والمياه والطين والردميات، وكأن المواطن مطالب بأن يمارس رياضة الحواجز أثناء ذهابه إلى عمله أو جامعته أو سوقه.
هذه ليست مبالغة صحفية. هذه هي الحقيقة كما يراها الناس كل يوم.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين ذهبت الأموال التي سمعنا عن اعتمادها لإنشاء الطرق وصيانتها؟
نسمع عن ميزانيات، واعتمادات، وتصديقات، وخطط، وتصريحات، واجتماعات. نسمع جلبةً كثيرة، لكننا حين ننظر إلى الأرض لا نرى طحناً.
والأكثر إثارة للغضب أن بعض الطرق التي تنتظر الإصلاح ليست مشاريع عملاقة تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتنفيذ.
خذوا، مثلاً، الطريق الذي يمر بمحاذاة جامعة الجزيرة – مجمع الرازي، بالقرب من نوبري. طريق لا يتجاوز طوله، في تقديرات الناس، كيلومتراً أو كيلومترين. طريق قصير جداً إذا قورن بحجم المدن ومشروعات البنية التحتية التي تنفذها الدول.
في مكان يحترم الوقت والمال العام، يمكن لطريق بهذا الحجم أن يرى النور خلال فترة وجيزة إذا توفرت الإرادة، وتوافرت الآليات، ووُضعت المسؤولية في يد من يعرف كيف ينجز.
أما عندنا، فالحكاية مختلفة.
شهران لرش الماء، وشهران لجلب التراب، وأشهر للردم والتسوية، ثم انتظار جديد، واجتماع جديد، وتصريح جديد، حتى يكاد العام يكتمل بينما المشروع لا يزال يمشي على أطراف أصابعه.
وكأن الطريق لا يُشيّد، بل يُربّى!
المشكلة ليست في أن الطريق يحتاج إلى وقت. لا أحد يطالب بالمستحيل، ولا أحد ينكر أن ظروف البلاد صعبة، وأن الحرب تركت وراءها خراباً هائلاً، وأن الموارد محدودة، وأن إعادة الإعمار ليست نزهة.
لكن صعوبة الظروف لا تعني أن يتحول البطء إلى أسلوب إدارة، ولا أن تصبح الأعذار بديلاً عن الإنجاز.
المواطن الذي يدفع ثمن تلف سيارته، ويتحمل تكاليف الصيانة المتكررة، ويهدر الوقود والوقت بسبب سوء الطريق، لا يعنيه كثيراً عدد الاجتماعات التي عقدت، ولا عدد الخطابات التي رُفعت. ما يعنيه ببساطة أن يجد طريقاً صالحاً للسير.
والطالب الذي يعبر هذا الطريق إلى جامعته لا يحتاج إلى سماع حديث عن الخطط؛ يحتاج إلى طريق آمن.
والمريض الذي يُنقل إلى المستشفى لا يستطيع أن ينتظر حتى تنتهي دورة الإجراءات البيروقراطية.
والعامل والموظف والتاجر وسائق المواصلات والمشاة جميعهم يدفعون يومياً فاتورة هذا الإهمال.
الطريق ليس إسفلتاً فقط. الطريق اقتصاد، وأمان، ووقت، وكرامة، وحياة.
وعندما تتدهور الطرق، لا تتضرر السيارات وحدها؛ تتضرر حركة المدينة بأكملها. ترتفع كلفة النقل، تتعطل المصالح، تتراجع حركة التجارة، وتتآكل قيمة الممتلكات، ويزداد الضغط على المواطن الذي يكفيه ما حملته سنوات الحرب من أعباء.
ثم نسأل بعد ذلك: لماذا يعاني الاقتصاد؟ لماذا ترتفع تكاليف المعيشة؟ لماذا تتراجع الخدمات؟
أحياناً تكون الإجابة ماثلة أمامنا في حفرةٍ وسط الطريق.
يا سادة المسؤولين…
ود مدني لا تحتاج إلى المزيد من الكلام عن إعادة الإعمار؛ تحتاج إلى إعادة الإعمار فعلاً.
لا تحتاج إلى صورٍ للآليات وهي مصطفة على جانب الطريق، ولا إلى تصريحات افتتاح العمل، ولا إلى وعود بأن المشروع “قريباً” سيكتمل.
تحتاج إلى أن ترى الآليات تعمل، والمواد تصل، والعمال ينجزون، والمحاسبة حاضرة، والجدول الزمني محترماً.
والأهم من ذلك كله: تحتاج إلى أن يعرف المواطن من المسؤول، ومتى يبدأ العمل، ومتى ينتهي، وكم بلغت تكلفته، ومن الجهة المنفذة، ومن يراقب جودة التنفيذ.
هذه ليست رفاهية.
هذه أبسط قواعد الشفافية في المال العام.
فإذا كانت هناك أموال صُدّقت للطرق، فليُكشف للناس أين صُرفت.
وإذا كانت هناك مشروعات بدأت، فليُعلن جدولها الزمني.
وإذا كان هناك تقصير، فلتكن هناك مساءلة.
أما أن تبقى المدينة معلقة بين الحفرة والحفرة، وبين الوعد والوعد، وبين التصديق والتنفيذ، فهذا ما لا ينبغي أن يصبح أمراً طبيعياً.
ود مدني مدينة تستحق أفضل من ذلك.
مدينة عرفت الزراعة والإنتاج والجامعات والأسواق، وعرفت كيف تمنح السودان من خيرها الكثير، لا تستحق أن تكون شوارعها بهذا البؤس.
ولعل أكثر ما يؤلم أن المواطن لا يطلب قصوراً ولا طرقاً من ذهب.
إنه يطلب فقط شارعاً يستطيع أن يمشي فيه دون أن يخشى على سيارته، وطريقاً يستطيع أن يعبره دون أن يخشى على سلامته.
فهل هذا كثير؟
في مدينة أنهكتها الحرب، لا ينبغي أن نضيف إلى معاناة الناس حرباً أخرى مع الحفر.
فلتتوقف الجلبة، وليبدأ الطحن.
ولتتحول الاعتمادات إلى طرق، والتصريحات إلى إنجاز، والخطط إلى واقع.
فود مدني لا ينقصها الكلام.
ما ينقصها أن يعمل الطريق.
ولكِ الله يا ود مدني…
ولك الله يا وطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى