راي

شاكر مختار يكتب .. كهرباء الجزيرة.. أين يذهب التيار؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

في ولاية الجزيرة لم تعد معاناة المواطن مع الكهرباء مرتبطة فقط بالقطوعات الطويلة، بل أصبحت الأزمة الأكبر في “ضعف التيار” نفسه، ذلك التيار الهزيل الذي يصل إلى المنازل وكأنه يعلن عجز الشبكة قبل أن يضيء مصباحاً أو يدير مروحة.
المواطن اليوم يعيش أزمة مركبة؛ ساعات طويلة من الانقطاع، وإن حضرت الكهرباء جاءت ضعيفة ومرتبكة، تُتلف الأجهزة أكثر مما تخدم الناس. والأجهزة الكهربائية التي عادت إلى البيوت بعد تحرير الولاية من المليشيا، جاءت بشق الأنفس، بعضها تم شراؤه بالدَّين، وبعضها الآخر بعد خسائر الحرب والنهب والنزوح. لذلك أصبح المواطن يخشى عودة الكهرباء أحياناً أكثر من انقطاعها، لأن عودتها بهذا الجهد الضعيف قد تعني احتراق ثلاجة أو تلف مكيف أو تعطل طلمبة مياه.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن ترتفع أصوات كثيرة تطالب بقطع التيار تماماً إذا كان سيستمر بهذه الصورة التي تُسبب الضرر أكثر من الفائدة. فالكهرباء الضعيفة لا تحفظ جهازاً ولا تقدم خدمة حقيقية، بل تتحول إلى عبء إضافي على المواطن المنهك أصلاً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا أصبح التيار بهذا الضعف رغم أن الاستهلاك المفترض انخفض بصورة كبيرة؟
فأغلب المصانع الكبرى التي كانت تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء ما زالت متوقفة أو تعمل بطاقة محدودة، وكثير من الأسر اتجه إلى استخدام الطاقة الشمسية كبديل بسبب فقدان الثقة في استقرار الإمداد الكهربائي. حتى المصانع التي عادت للعمل، عادت بحذر وبقدرات أقل من السابق. وهذا يعني منطقياً أن الضغط على الشبكة ليس كما كان قبل الحرب.
إذاً، أين المشكلة؟
هل الأزمة في ضعف الإنتاج الكهربائي نفسه؟ أم في تهالك الشبكات والمحولات التي لم تعد قادرة على نقل الكهرباء بالكفاءة المطلوبة؟ أم أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية ولم تتم معالجتها حتى الآن؟ أم أن هناك فاقداً عالياً في الشبكات بسبب الأعطال والربط العشوائي وسوء الصيانة؟
هذه أسئلة مشروعة من حق المواطن أن يجد لها إجابة واضحة، لأن ما يحدث لا يبدو طبيعياً. فالمنطق يقول إن انخفاض الاستهلاك يفترض أن يُحسن الخدمة، لا أن يجعلها أكثر ضعفاً.
إن المواطن في ود مدني ومدن وقرى الجزيرة لم يعد يطلب كهرباء مستقرة على مدار اليوم، بل يطلب الحد الأدنى من الخدمة الآمنة التي لا تُدمر ممتلكاته. يطلب تياراً يستطيع تشغيل ثلاجة تحفظ الطعام والدواء، أو مروحة تخفف حرارة الصيف القاسية، دون خوف من احتراق الأجهزة في أي لحظة.
ما يحدث اليوم يتطلب مصارحة حقيقية من الجهات المختصة. المطلوب أن يعرف الناس أسباب ضعف التيار، وحجم الضرر الذي أصاب الشبكة، وخطط المعالجة، والمدة المتوقعة لتحسن الخدمة. لأن الصمت في مثل هذه الأزمات يزيد الغضب والإحباط، ويترك المواطن فريسة للشائعات والتكهنات.
ولاية الجزيرة التي تحملت ويلات الحرب تستحق أن تُعاد إليها الخدمات بصورة أفضل، لا أن تنتقل من معاناة المليشيا إلى معاناة الكهرباء. فالحياة لا تعود بالشعارات وحدها، بل بتيار كهربائي مستقر يعيد للناس شيئاً من الطمأنينة والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى