راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ حكومة الأمل.. افتقدنا الأمل! ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

ليست المشكلة أن تتخذ الحكومة قراراً ثم تكتشف حاجته إلى المراجعة، فذلك أمر وارد في إدارة الدول، وإنما المشكلة أن تصدر القرارات دون دراسة كافية، ثم تتراجع عنها بعد أن يكون المواطن قد دفع ثمنها من استقراره ولقمة عيشه وكرامته.
ما زالت قرارات حكومة الأمل تضع المواطن السوداني أمام مزيد من الأعباء، في وقت أنهكته الحرب، وشتّتت أسرته، ودمّرت بيته، وقطعت أسباب رزقه. كنا ننتظر من حكومة الأمل أن تفتح نوافذ الفرج، فإذا ببعض قراراتها تزيد ضيق الناس، وتبدد ما تبقى لديهم من رجاء.
قبل أسابيع، أعلنت الحكومة تحديد موعد نهائي لاستقبال موظفي الدولة داخل دواوين العمل، وبعد عودة أعداد كبيرة منهم إلى البلاد، وفق تقديرات متداولة تشير إلى ارتفاع نسبة الحضور إلى نحو 85%، صدرت توجيهات جديدة تقضي بتوقيع العاملين الموجودين خارج السودان عبر السفارات. وهنا يبرز السؤال المشروع: أين كانت الدراسة التي تسبق هذه القرارات؟ وما الغاية من إلزام الموظف بالعودة إذا كانت إجراءات المباشرة الفعلية للعمل لم تكتمل؟
كان بالإمكان، إن كان الهدف حصر العاملين الموجودين بالخارج، أن يُنفذ ذلك عبر السفارات لأغراض الإحصاء والتخطيط، دون أن يتحول الإجراء إلى عبء جديد على الموظف، ودون أن يُفهم منه ما يدفعه إلى مغادرة مقر إقامته والعودة إلى وطنه قبل تهيئة ظروف العمل والمعيشة.
يا حكومة الأمل، العودة إلى الوطن ليست مجرد توقيع في كشف حضور، وليست رحلة تنتهي عند باب الديوان الحكومي؛ إنها حياة كاملة تحتاج إلى مقومات الاستقرار.
لقد عاد بعض العاملين وهم يحملون آمالاً في استئناف أعمالهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع بالغ التعقيد: مدارس وجامعات لها متطلبات، وأسر تحتاج إلى المأوى، ومنازل طالها الدمار وفقدت أثاثها وأبسط مقومات الحياة، فضلاً عن تكاليف المعيشة التي لا ترحم. فكيف يُطلب من الموظف أن يعود، ثم يُترك ليواجه هذه الالتزامات دون وضوح كافٍ بشأن مباشرة العمل وصرف المستحقات؟
إن الموظف الذي كان يعمل في الخارج، حتى في وظيفة هامشية، لم يكن بالضرورة يعيش في رغد من العيش؛ لكنه كان يحاول توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، من طعام وشراب وسكن وتعليم. وربما ادّخر القليل الذي أعانه على الصمود في زمن الحرب. وحين يستجيب لنداء العودة، فإنه لا يعود وحده، بل يعود محمّلاً بمسؤوليات أسرته وأحلام أبنائه والتزامات لا تنتظر.
ومن حق الدولة أن تعيد تنظيم الخدمة المدنية، وأن تحصر موظفيها، وأن تتحقق من مواقعهم واستعدادهم للعمل. لكن من حق الموظف أيضاً أن يعرف: أين سيعمل؟ ومتى سيباشر؟ وما الضمانات الإدارية والمالية التي تتيح له استئناف حياته المهنية؟ فالإدارة الرشيدة لا تفصل بين الواجبات المطلوبة من المواطن والحقوق التي تلتزم بها الدولة تجاهه.
وإذا كانت القرارات قد صدرت في إطار ترتيب دولاب العمل، فإن مراجعتها المتكررة تستوجب وقفة جادة لتقييم آثارها. فالقرار الحكومي لا يُقاس فقط بسلامة عباراته أو توقيع المسؤول عليه، وإنما بمدى قابليته للتنفيذ، وبقدرته على معالجة المشكلة دون أن يصنع مشكلات جديدة.
إن التراجع عن القرار بعد تنفيذه لا يمحو آثاره؛ فهناك موظف دفع تكاليف السفر، وآخر رتّب شؤون أسرته على أساس العودة، وثالث غادر عملاً كان يوفر له دخلاً محدوداً، ثم وجد نفسه في مواجهة واقع لم تُستكمل ترتيباته. وهؤلاء لا تعوّضهم بيانات التوضيح، ولا تعيد إليهم المراجعات الإدارية ما أنفقوه أو ما فقدوه من فرص.
إلى الدكتور كامل إدريس، رئيس مجلس الوزراء:
إن الموظف السوداني ليس رقماً في كشف، ولا اسماً في قاعدة بيانات، ولا عبئاً ينبغي التخلص منه بقرار إداري. إنه مواطن أفنى سنوات من عمره في خدمة الدولة، ومن حقه أن يجد دولة تراعي ظروفه، وتقدّر تضحياته، وتتعامل معه باعتباره شريكاً في إعادة بناء الوطن.
ولعلنا نتذكر هنا الحديث النبوي الشريف عن المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها، فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض. والعبرة التي نستحضرها ليست للمقارنة بين الوقائع، وإنما للتذكير بأن المسؤولية لا تكتمل بمجرد إصدار الأمر، بل تقتضي رعاية من أصبحوا في دائرة مسؤوليتنا، وألا نغلق أمامهم أبواب الرزق ثم نتركهم يواجهون مصيرهم.
لقد وصلنا إلى البلاد، ووقّعنا في كشوفات الحضور، ونحن على استعداد لأداء واجبنا متى تهيأت ظروف العمل. فليُحدد لكل موظف موقعه، وليُبلّغ بموعد مباشرته، ولتُستكمل الإجراءات التي تضمن انتظام العمل وصرف المستحقات. أما أن يُطلب من الموظف الحضور، ثم يُترك معلقاً بين قرار وآخر، فلا هو استقر في الخارج، ولا هو وجد في الداخل عملاً يستند إليه، فذلك وضع يحتاج إلى معالجة عاجلة ومسؤولة.
نحن لا نطالب بإعفاء الموظف من واجبه، ولا نبحث عن مبرر للتهرب من الخدمة العامة؛ بل نطالب بأن تكون الواجبات واضحة، والحقوق معلومة، والقرارات قابلة للتنفيذ. فمن يطلب من الناس أن يعودوا إلى مواقعهم، عليه أن يهيئ لهم الحد الأدنى من شروط العودة، ومن يطالبهم بالالتزام، عليه أن يلتزم هو أيضاً بما يترتب على قراراته.
يا حكومة الأمل، لقد أنهكت الحرب المواطن، فلا تزيدوا جراحه بقرارات لا تكتمل دراستها قبل صدورها. إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى إدارة تسمع قبل أن تقرر، وتدرس قبل أن تُلزم، وتراجع قبل أن تتسبب في مزيد من المعاناة.
وإن لم تستطيعوا أن توفروا لنا العمل الذي عدنا من أجله، فلا تضيّقوا علينا أبواب الرزق التي تركناها استجابة لنداء الوطن. اتركوا لنا فرصة أن نأكل من خشاش الأرض، بعد أن حمّلتمونا كلفة العودة، وأعيدوا النظر في قراراتكم بما يحفظ للموظف كرامته وللدولة هيبتها.
لقد افتقدنا الأمل الذي حملناه إلى بلادنا، لكننا لم نفقد حقنا في المطالبة بالإنصاف. وما زلنا نؤمن أن الوطن الذي يستحق منا العودة والتضحية، يستحق أيضاً أن تكون قراراته بحجم معاناة أبنائه.
وإذا ضاقت بنا أبواب الشكوى، فإن شكوانا لن تكون رغبة في الخصومة، وإنما طلباً للعدل ورفعاً للضرر؛ نرفعها إلى من بيده الأمر، ونحتكم في مظالمنا إلى الله، سيد الخلق أجمعين، الذي لا تضيع عنده الحقوق، ولا تخفى عليه معاناة المظلومين.
فهل تعيد حكومة الأمل الأمل إلى موظفيها، أم يصبح الأمل نفسه قراراً آخر مؤجلاً إلى إشعار جديد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى