راي

*شاهيناز القرشي* تكتب ..*السودان في اليوم التالي للقرار المرتقب* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

ما يحدث في مجلس الأمن يطرح سؤالًا خطيرًا، متجاوزًا حظر الأسلحة: سؤالًا عن أين سيقف السودان في اليوم التالي للقرار، ومع من؟ وما مآلات هذا الموقف؟
تأجيل التصويت على القرار يوضح الرؤية النفقية التي يرى بها كل قطب دور السودان الذي يجب أن يلعبه ويكون لمصلحته. وهذه المصلحة لم تعد اقتصادية أو جيوسياسية كما في السابق؛ ففي ظل الصراعات العالمية العسكرية، التي تقول إن هنالك معركة ستفصل بين القطبين ليستقر العالم لمئة سنة قادمة، كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح موقع السودان جيوستراتيجيًا يؤثر بشكل مباشر على تأمين البحر الأحمر وتأمين ظهر أمريكا وحلفائها.
هذه المعركة يحدد أدواتها وأرضها القطبان وحلفاؤهما الكبار، وكل قطب يبحث عن أكبر عدد من المشاركين ليلعبوا دور المساند، أو الممثل البديل الذي يتلقى الضربات ويتعرض للمخاطر، ليظل البطل وسيمًا سليمًا وجاهزًا لليوم التالي بكامل أناقته ولياقته.
هل سيلعب السودان دور المساند لروسيا وحلفائها؟ ويعود لتحالفات الكيزان وعمر البشير، التي ستضع السودان في حظر اقتصادي وعقوبات وتصنيفات إرهابية؟
وسلاح العقوبات يمتلكه قطب واحد فقط، وتستطيع روسيا وحلفاؤها شل يد واحدة لهذا القطب باستخدام الفيتو، لكنها لا تستطيع منع أمريكا وحلفائها من التحرك خارج مجلس الأمن. ويمكن لأمريكا التحرك ضد الممانعين لإيقاف الحرب منفردة، أو عبر تحالف بمشاركة الدول التي تتفق معها في رؤيتها لحرب السودان؛ تحالف ربما لم يتوفر لأمريكا في حربها على إيران، إذ لا يوجد خوف في هذه الدول من رد فعل سوداني سيهدد أمنها.
يمكن لألمانيا أن تشارك، وفرنسا وبريطانيا وعدد من الدول الحليفة، دون الخوف من العواقب، مع حساب المكاسب. فأوروبا التي تشعر بالتهديد الشديد من روسيا تحتاج إلى استرضاء أمريكا، ولا بأس أن يكون هذا الاسترضاء منخفض التكاليف.
ويجب أن تضع في اعتبارك أن كل الدول القوية التي تقع في حوض البحر الأحمر هي حليفة وشريكة لأمريكا: السعودية، والأردن، ومصر، وإسرائيل. ولن تخاطر بمصالحها الضخمة مع المحور الغربي في مقابل مصلحة تكتيكية غير مأمونة مع السودان، الذي نجده هو وأجزاء من اليمن والصومال حلفاء لروسيا في المنطقة.
الفروقات الاقتصادية بين هذه الدول توضح تأثير موقف السودان على مستقبله، وذلك إذا لم تتحرك أمريكا لتغيير المشهد بمخالبها، وسيتلقى الممثل البديل لكمات قاسية تخرجه من الفيلم.
ماذا لو تعاملت حكومة الأمر الواقع بحكمة سياسية مع الموقف وقدمت مصلحة الوطن؟ وقررت الخروج من ظل النار؟
سيكون السودان في منطقة راحته. فالقطب الآخر، روسيا وحلفاؤها، لن يستطيعوا فرض عقوبات، ولن يسعوا إلى ذلك، ولن يهاجموا السودان عسكريًا، ولن يفقد السودان دعمًا اقتصاديًا مؤثرًا. وحتى وإن فقد شيئًا يوفره هذا الطرف، فهنالك بدائل قادرة على تقديم المفقود، وربما بشروط أفضل.
سيكون السودان متسقًا مع الدول المؤثرة في محيطه، دون الحاجة إلى الارتهان لها لتكون وصية عليه في تعامله مع المحور الغربي. وسيكون للسودان تحدياته الداخلية التي سيواجهها، وهو لا يعاني من ضغط خارجي يدفعه لخوض معارك أكبر من قدراته، وسيدفع ثمنها الشعب، الذي لن ينال إلا خطبًا جوفاء عن صبره وجلده في مساندة جيشه، ويعود للجوع والفقر والعوز والذلة في دول الجوار.
إيقاف الحرب وإخراج السودان من ظل النار: هذا خيار رجال دولة وطنيين، وليس حزب المؤتمر الوطني المصاب بالجرب السياسي، والتأخر الوطني، والكنكشة المدمرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى