راي

*شاهيناز القرشي* تكتب..*إدارة الحرب والاقتصاد في أمريكا وروسيا والسودان، والفرق بين دولةٍ لرجال ورجالٍ لدولة* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

*شاهيناز القرشي*
ألم يلفت نظرك أن ترامب يصرح ضد إيران، ويهدد ويرعد في آخر الأسبوع فقط؟
وقبل أن يبدأ الأسبوع، يوم الاثنين، وتعود البورصات والأسواق إلى العمل، يكون ترامب قد تراجع وقال: “سنتفاوض”، وتهدأ الأجواء. هذه لعبة التاجر والرئيس ترامب، الذي يراقب اقتصاد بلده بعين حريصة على مصلحة أمريكا أولًا. كذلك هو حريص على عدم إغضاب الشارع الأمريكي؛ لأن تهديد مضيق هرمز يعني ارتفاع أسعار النفط بشكل فوري، ويرفع معه أسعار عدد من السلع داخل الولايات المتحدة، وهو الآن غير مستعد لهذه المواجهة.
ترامب يريد أن يستمر في تهديد إيران، ويجد مبررًا لاستمرار وجود قواته في المنطقة؛ لأن الحرب مع إيران، من وجهة نظره، أمر حتمي، ويجب أن تصل إلى نتيجة واحدة. ولكنه سيهاجم في الوقت الذي يناسب المصلحة الأمريكية.
موقف ترامب البندولي بين التهديد والتراجع تسبب، في بعض الأحيان، في رفع العقود الآجلة لمزيج برنت وخام تكساس إلى درجات قياسية، وتم رصد صفقات متكررة تسبق تصريحات ترامب، مما يثير الشكوك في أن هذه الصفقات تجري بناءً على معلومات وتحركات متزامنة مع التصريحات.
يبدو أن ترامب، الذي يخوض حربًا يصرف فيها ملايين الدولارات باليمنى، يدير الاقتصاد العالمي ليجني أرباحًا من التلاعب باليسرى، حتى لا يدمر الاقتصاد الأمريكي تحت أقدام مغامراته الطائشة، أو يخفف الخسائر على الأقل. وبغض النظر عن رأينا فيما يفعله ترامب، فإنه يدير مصلحة بلده ويحاول أن يحقق أهداف حربه بأقل الخسائر.
روسيا، قبل أن تبدأ حربها، كدست 2300 طن من الذهب في بنكها المركزي، وجهزت الأسواق البديلة لصادراتها ووارداتها. وكانت كلمة السر في الاقتصاد الروسي هي الموظفون الذين استعان بهم بوتين لإدارة الأموال العامة. فوزير المالية يعمل في الوزارة منذ عام 1985، وتدرج في وظائفها وشغل عدة مناصب مهمة. كما أن فريق إدارة البنك المركزي من التكنوقراط عالي الكفاءة، مما مكنهم من صنع سياسات مالية واقتصادية سريعة وفعالة خففت من آثار الحرب على الاقتصاد.
ولا يفوتني أن أتذكر الحادثة المفصلية عندما تمرد يفغيني بريغوجين وقرر الانقلاب على بوتين، فاحتواه بوتين بكل هدوء وفكك قواته، وذلك أثناء خوضه الحرب. ودعنا نقول إن بريغوجين مات بعدها بفترة قصيرة في حادث طائرة مؤسف، وأصبح لا يشكل عبئًا على روسيا في حربها.
كيف أدار السودان حربه؟
بدأت الحرب والدعم السريع في أقوى حالاته، والجيش السوداني في أضعف حالاته. هذا ليس كلامي، وإنما صرح به عدد من الضباط على سبيل التفاخر بعودتهم لاستعادة العاصمة. ألم يكن هنالك رجل دولة حكيم يحتوي الموقف كما فعل بوتين، ويجنب السودان ما حدث؟
انفلت الأمن، فنهب السودانيون، وأُفقروا، وشُردوا، ونهبت الدولة ودمرت بواسطة المليشيا واللصوص.
دخل السودان الحرب وهو تحت العقوبات بسبب الانقلاب، وكذلك لديه خلافات معلنة وغير معلنة مع أغلب دول المحيط الإفريقي والعربي. ومع تقدم الحرب خسر السودان الكثير من علاقاته بشكل كامل، وأصبح يعاني حصارًا متزايدًا.
الدولة المجاورة المستفيدة من حرب السودان تحرص على الضغط على اللاجئين السودانيين، دون أي اعتبار للاتفاقيات التي سبقت الحرب، أو للاتفاقيات التي دعمت قيامها، لعلمها أن السودان ليست لديه حلول أخرى، ومجبر على القبول.
أما الدول التي تدعم الجيش كمؤسسة، فتتخوف من سيطرة الإخوان المسلمين، فيأتي دعمها متحفظًا ومشروطًا.
السودان الآن يصرف على الحرب من إنتاج الذهب، وهو سلعة غير متجددة، بما يعني أن الذهب الذي يباع يُفقد إلى الأبد، والعائد منه رصاصة تقتل، ولا تزرع، ولا تبني. كأنك تبيع أثاث منزلك لتشتري الطعام؛ سينفد الأثاث، ثم تجوع، ربما لا يوجد مقارنة بين هذه الدول وبين السودان ولكن الادارة السياسية والاقتصادية الناجحة تهتم بادارة الموجود بغض النظر عن كميته.
ويأتي هنا سؤال: هل السودان هو الدولة الوحيدة في العالم التي لديها صراعات؟
لماذا لا نسمع التصريحات نفسها ضد الدول العظمى من مصر أو كينيا مثلًا؟ هل السودان، في نظرك، يقف ويقاوم الصلف العالمي بينما كل العالم منبطح؟ أم هي الرعونة، وتقديم المصلحة الحزبية الخاصة على المصلحة العامة؟
خطاب السودان السياسي تجاه بعض الدول يشبه خطاب حزب الله، وحماس، وإيران، والقاعدة. ويجب أن يلفت نظرك أن من أتحدث عنهم جماعات أيديولوجية تسيطر على الدولة أو على جزء منها، ولكنهم ليسوا حكومات ذات وزن دولي.
هل تلاحظ التناسب الطردي بين ثقل الدولة وأهميتها، وبين اتزان كلماتها؟
التعامل مع الحكومة السودانية، أيام البشير وهذه الأيام، محكوم بعاملين: دول ترفض التعامل معها وتصنفها تصنيفًا سيئًا، ودول لديها مصلحة في بقاء صورة السودان مشوهة، وتحرص على استمرار ذلك.
فهل هذا ما يريده السودانيون؟
هل يريد السودانيون دولة تقاتل العالم وتظل متخلفة، أم دولة تقاتل الفقر والجهل والمرض، وتصنع واقعًا أفضل؟
أطلب منك أن تقارن سياسة السودان الخارجية بسياسة الدولة التي تعتبرها دولة جيدة، وتتمنى أن يكون السودان مثلها.
ما رأيك؟ وما الفرق بين رجل دولة يتخذ القرارات بوعي، وبين دولة لرجل يقلبها كيف يشاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى