راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ السودان يغلي في قدر الفول (٢) قرار البرهان برفع الحظر.. حين تتقدم مصلحة المواطن على احتكار الأسواق ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

عودةً إلى ما طرحناه في العمود السابق، يأتي قرار رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، برفع الحظر عن استيراد السلع، ليعيد فتح ملف العلاقة بين حماية الإنتاج المحلي واستقرار الأسواق وحق المواطن في الغذاء بأسعار معقولة.
فالفول في السودان لم يعد مجرد وجبة إفطار، بل أصبح اختباراً لجدوى السياسات الاقتصادية وقدرتها على تحقيق التوازن بين المنتج والمستورد والتاجر والمستهلك.
وبحسب معلومات متداولة في الأسواق، تراجع سعر جوال الفول المصري من نحو مليون ونصف جنيه إلى 750 ألف جنيه، عقب وصول شاحنات محملة بالسلع، من بينها الفول المصري. وإذا تأكدت هذه الأرقام، فإنها تكشف بوضوح أثر زيادة المعروض في كسر موجة الغلاء، وتطرح سؤالاً مشروعاً: من كان المستفيد من ارتفاع الأسعار، ومن كان يدفع الفاتورة؟
البرهان يفتح الباب.. والسوق يكشف المستور
إن رفع الحظر عن الاستيراد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتصاراً للمستورد على المنتج المحلي، بل خطوة لزيادة المعروض وإعادة التوازن إلى السوق. فحماية المزارع السوداني ضرورة وطنية، لكنها لا تتحقق بإغلاق أبواب الاستيراد وحده، وإنما بدعمه بالتمويل والتقاوى والمدخلات الزراعية، وتحسين التخزين والنقل والتسويق، وضمان عائد عادل له وسعر مناسب للمستهلك.
أما فرض القيود دون ضمان كفاية الإنتاج المحلي، فقد يخلق فجوة في المعروض تفتح الباب أمام المضاربات، وتحوّل قرار الحماية إلى عبء إضافي على المواطن.
وتتحدث إفادات متداولة عن خسائر أصابت بعض التجار عقب تراجع الأسعار، لكن العدالة تقتضي التمييز بين الخسارة التجارية المشروعة والممارسات الاحتكارية. فليس كل تاجر محتكرًا، كما أن حماية النشاط التجاري لا تعني التساهل مع حجب السلع أو افتعال الندرة لتحقيق أرباح استثنائية.
السوق العادل لا يُفقر التاجر ولا يُرهق المواطن، بل يقوم على المنافسة والوفرة والرقابة الفاعلة.
التاجر الوطني شريك.. والمواطن أولاً
لقد أثقلت الحرب كاهل السودانيين، وأصبحت الأسر تكافح لتوفير الغذاء والدواء والتعليم. وفي هذه الظروف، تبرز المسؤولية الوطنية للتجار والمنتجين، دون إهدار حقهم المشروع في الربح.
كما تتحمل الدولة مسؤولية مراجعة الرسوم والإجراءات التي ترفع تكلفة السلع، وتوفير بيئة اقتصادية مستقرة، ومراقبة حركة المخزون والأسعار، بما يمنع الاحتكار ويحافظ على المنافسة المشروعة.
ومن هنا، فإن قرار رفع الحظر يجب ألا يكون معالجة مؤقتة، بل بداية لسياسة اقتصادية متكاملة تقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتنظيم الاستيراد وفق حاجة السوق، وتعزيز الرقابة، وإنشاء مخزون استراتيجي يضمن استقرار الإمدادات في أوقات الأزمات.
فلا يجوز أن تكون حماية المنتج المحلي مبرراً لغلاء السلع، كما لا ينبغي أن يتحول الاستيراد العشوائي إلى تهديد للمزارع السوداني. المطلوب معادلة تحقق مصلحة الطرفين، وتجعل المواطن المستفيد الأول من أي قرار اقتصادي.
الفول ليس نهاية الحكاية
إن قضية الفول تكشف خللاً أوسع في إدارة الأسواق والإنتاج والأمن الغذائي. فالسودان يمتلك أرضاً خصبة وأيدياً عاملة وخبرات زراعية قادرة على تقليل الاعتماد على الاستيراد، متى توفرت الإرادة والتخطيط والتمويل والإدارة الرشيدة.
ويظل المعيار الحقيقي لنجاح قرار البرهان ليس ما أحدثه من ارتباك في حسابات التجار، وإنما مدى استدامة انخفاض الأسعار، وتوافر السلع، ووصول أثر القرار إلى المواطن في الأسواق ومحال التجزئة.
فليس المطلوب أن يخسر التاجر حتى يربح المواطن، ولا أن يخسر المزارع حتى تنخفض الأسعار؛ المطلوب اقتصاد يربح فيه الجميع بالإنتاج والمنافسة والعدالة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال: هل نريد سوقاً تتحكم فيه الندرة، أم اقتصاداً يصنع الوفرة بالإنتاج والمنافسة والرقابة؟
السودان لا تنقصه الأرض ولا الأيدي العاملة ولا الخبرات؛ ما يحتاجه هو سياسات اقتصادية متوازنة تجعل مصلحة المواطن في صدارة الأولويات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى