
في ظل الأوضاع الاقتصادية والصحية المعقدة التي يعيشها السودان، تصبح أي خطوة تتعلق بتوسيع مظلة العلاج والرعاية الصحية محل اهتمام وترقب من المواطنين، خاصة في الولايات التي تأثرت بالحرب وتداعياتها بصورة مباشرة. ومن هذا المنطلق، يكتسب إعلان وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية تنفيذ أكثر من 35 مخيماً علاجياً مجانياً خلال العام 2026 أهمية كبيرة، ليس فقط من زاوية الأرقام، وإنما من حيث الرسائل والدلالات التي يحملها هذا التوجه.
إعلان وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية معتصم أحمد صالح عن استهداف نصف مليون مواطن بخدمات علاجية مجانية يعكس إدراكاً متزايداً لحجم الضغوط التي تواجه الأسر السودانية في الحصول على العلاج، بعد أن أصبحت تكاليف الخدمات الطبية والأدوية عبئاً يفوق قدرة كثير من المواطنين.
المخيمات العلاجية المجانية لم تعد مجرد نشاط موسمي أو مبادرة إسعافية محدودة، بل تحولت إلى أحد أدوات الحماية الاجتماعية المهمة، خاصة في المجتمعات التي تعاني ضعف الخدمات الصحية وارتفاع معدلات الفقر والنزوح. لذلك فإن نجاح هذه التجربة يتطلب الانتقال بها من الطابع الاحتفالي إلى العمل المؤسسي المستدام المرتبط بخطط واضحة للتغطية والمتابعة والتقييم.
كما أن تدشين المخيم العلاجي بمدينة ود مدني يحمل دلالات خاصة، فالمدينة التي عانت كثيراً خلال الفترة الماضية تحاول اليوم استعادة عافيتها الصحية والخدمية تدريجياً، عبر شراكات بين حكومة الولاية والتأمين الصحي ووزارة الصحة. وهذه الشراكات تمثل نموذجاً مطلوباً في بقية الولايات، لأن إعادة بناء النظام الصحي لا يمكن أن تتم بجهة واحدة.
ومن النقاط المهمة التي تستحق التوقف عندها، حديث الوزارة عن مشروع “مركز صحي نموذجي في كل محلية”، وهو مشروع إذا ما تم تنفيذه بالصورة المطلوبة، يمكن أن يحدث تحولاً حقيقياً في مستوى الخدمات الصحية بالمناطق الطرفية والريفية التي ظلت تعاني التهميش وضعف البنية التحتية الصحية لسنوات طويلة.
نأمل في الاستمرارية وجودة الخدمة. فالمواطن لا يبحث فقط عن مخيم علاجي ليوم أو يومين، بل يحتاج إلى نظام صحي مستقر يوفر الدواء والفحص والعلاج بصورة دائمة وبأسعار معقولة. رغم المعوقات فقد نجح التأمين الصحي في توصيل الخدمة للمواطن البسيط في الأحياء والقرى، عبر عدد من الفعاليات والمبادرات.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه المخيمات إلى بداية فعلية لتوسيع التغطية الصحية وإعادة الثقة في المؤسسات العلاجية الحكومية، خاصة وأن القطاع الصحي يمثل اليوم خط الدفاع الأول في حماية المجتمع واستقراره.





