عزيزة المعراج تكتب .. إدمان الفشل.. حين يغدو باطن الأرض أرحم من ظاهرها! ــ بعانخي برس
بعانخي برس

نعيش في بلد يبدو أنه قرر مقاطعة التاريخ، والارتداد طواعية إلى ظلمات العصور الوسطى والى مجاهل سحيقة في التاريخ . بلدٌ يخرج من نفق مظلم ليجد نفسه في نفق أشد حلكة، يتنقل بين “إظلام تام” وآخر، وكأن النور بات خطيئة لا نملك صك غفرانها. في قلب ولاية الجزيرة، حيث تهب الأرض الخير والبركة، بات العيش عبئاً ثقيلاً، وغدا التساؤل المرير يفرض نفسه على الوجوه الشاحبة: ما بال باطن الأرض صار أرحم من ظاهرها؟!
أكبر مآسينا ليست في انعدام الموارد بل في هذا “الإدمان المزمن على الفشل” وتلك النغمة المشروخة والمعادة في صياغة “التبريرات الفطيرة” التي لم تعد تقنع طفلاً ناهيك عن شعبٍ يطحنه العوز والخراب.
تأملوا هذا المشهد السريالي الذي يقطر وجعا وسخرية: صفوف طويلة من البشر، ينهكها الهجير، تقف ذليلة لشراء جرعة ماء، بينما النيل العظيم يتدفق على مرمى حجر منهم! لقد صدقت فينا الأغنية المأثورة وبأثر رجعي مرير: “نيلك جرى قدامك”.. نعم، يمر النيل أمامنا كأنه غريب يمر مر الكرام، يستعرض هيبته ويمضي، عاجزون نحن حتى عن حبسه في حنفيات بيوتنا!
وحين تجود السماء بمائها، وبدلاً من أن تكون الأمطار غيثاً يحيي الأرض، تتحول بفعل العجز الإداري والتخطيط البدائي إلى لعنة مسلطة. نفشل في استيعاب الفائض، فيمر الطوفان ليدمر ما تبقى من بيوت متهالكة، ويترك خلفه مستنقعات آسنة تعيد رسم خارطة الأوبئة في أجسادنا المتعبة. الملاريا، وحمى الضنك، والتايفويد.. أمراض التخلف والقرون الغابرة تنهش فينا، لتتحول المستشفيات إلى مقابر مؤجلة، والشوارع إلى ممرات مضنية تنهك المشاة قبل المركبات، وتحاصرها تلال القمامة من كل حدب وصوب.
إلى متى هذا التراجع المخيف إلى غياهب التاريخ؟ هل نحن بصدد لعنة متوارثة مكتوب علينا تجرع مرارتها جيلًا بعد جيل؟ أم أننا استمرأنا العيش في مستنقع العشوائية حتى تبلدت مشاعر الخجل عند المسؤولين؟
إن ما يحدث في السودان عامة، وفي الجزيرة خاصة، ليس مجرد أزمة خدمات، بل هو انهيار قيمي وأخلاقي وإداري كامل. عندما تصبح الأرض الموعودة بالخير عاجزة عن سقاية أبنائها، وتتحول شوارعها إلى مكبات للنفايات، ويصبح الموت غرقاً أو مرضاً هو الخيار المتاح، يحق لنا أن نصرخ بأعلى الصوت في وجه هذا الخراب الممنهج.
كفى تبريرات واهية، وكفى استهتاراً بأرواح البشر. إن شعباً يرى نيله يتدفق وأرضه خصبة، ثم يموت ظمأً ومرضاً، هو شعبٌ يُقاد بنخبة أدمنت الفشل حتى النخاع، وحان الوقت لتكسير هذه الحلقة المفرغة قبل أن تبتلعنا الأرض بالكامل.




