
من المعلوم بالضرورة أن نشأة مشروع الجزيرة كانت في الربع الأول من القرن العشرين، كأكبر مشروع زراعي يروي ريا انسيابيا في السودان بل في إفريقيا والشرق الأوسط
بدأ العمل فيه مع تأسيس البنية الأولى للري في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، ثم توسع لاحقًا ليصبح القلب النابض للاقتصاد السوداني
لم يكن المشروع مجرد أرض زراعية، بل كان رمزا للتنمية الوطنية ومصدرا رئيسيا للقطن والغذاء وميدانا لصياغة علاقة فريدة بين الأرض والمزارع والدولة.
ظل المزارع في كل مراحل المشروع هو الضلع الأهم في العملية الفلاحية؛ فهو الذي يزرع ويحصد ويواجه تقلبات الطبيعة والسياسات، ورغم ذلك كان الداعم الأساسي للخزينة العامة للدولة المزارع في الجزيرة ليس مجرد عامل بل هو مالك الأرض وحارسها وهو الذي صنع من المشروع حاكورةً جماعية تعكس هوية أهل المنطقة وحقهم التاريخي في الأرض.
في عام 1927 صدر قانون مشروع الجزيرة الذي نظم العلاقة بين المزارعين والإدارة البريطانية، وأكد على ملكية المزارعين للأرض. ثم جاءت تعديلات متعاقبة هدفت إلى تطوير الإنتاج، لكنها حافظت على جوهر العلاقة بأن الأرض ملك للمزارعين
أما قانون 2005 المعدل في 2014 قد أثار جدلًا واسعًا، إذ فتح الباب أمام سياسات جديدة زادت مخاوف المزارعين من فقدان السيطرة على أرضهم، رغم أنه أكد كما في القوانين السابقة على ملكيتهم لها.
في ظل هذه الظروف الضاغطة، وبعد تحرير المشروع من مليشيات الدعم السريع، دخل المزارعون في نقاشات جادة لإيجاد التمويل اللازم لكن الإدارة فشلت في توفيره واضطر بعضهم للزراعة من دخولهم الخاصة ليواجهوا لاحقًا أزمة الري و بدلًا من عقد ورش لإيجاد حلول لهذه الأزمات، انعقدت ورشة زادت من آلام المزارعين إذ اقترح فيها بعض القانونيين أيلولة أرض المشروع للدولة في تضارب صارخ مع كل القوانين السابقة.
هذا الاقتراح أثار عاصفة من الجدل خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لأنه لا يمس فقط الحقوق القانونية بل يهدد التركيبة الاجتماعية والديموغرافية لمزارعي الجزيرة الذين يرون في المشروع امتدادًا لحواكيرهم، كما للآخرين حواكير في مناطقهم التي يقدمون أرواحهم دفاعا عنها
لم يقبل المزارعون بهذا الطرح بل انتفضوا دفاعا عن أرضهم، مؤكدين أن المشروع ليس مجرد مساحة زراعية، بل هو حاكورة جماعية وذاكرة وطنية وحق تاريخي لا يجوز مصادرته.
خاتما
مشروع الجزيرة ليس ملكا للدولة ولا للمؤسسات العامة أو الخاصة بل هو ملك للمزارعين الذين صنعوه بعرقهم وحافظوا عليه بدمائهم وأي محاولة لنزع هذه الملكية هي اعتداء على التاريخ والهوية والحق
و سيظل مشروع الجزيرة حاكورة المزارعين كما للآخرين حواكيرهم، وسيظل صوت الأرض أصدق من كل الوعود
فليرعوي أصحاب الأجندات الخاصة ألا يطبقوا مخرجات الذكاء الاصطناعي على المشروع
فهو ليس مشروعا قوميّا كما يدعون ، بل هو حاكورة المزارعين وصوت الأرض.
والله من وراء القصد.
عبدالسلام العقاب





