
المفاوضات التي تُجرى منذ الأمس في واشنطن بين الجيش والدعم السريع، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، هي مفاوضات ذات طريق واحد ونهاية واحدة، وقد تختلف الوسائل والمواقيت التي توصل إلى هذه النهاية. وما يحدد نوع الوسيلة والزمن هو موقف الجيش، سواء وافق أو رفض أو ماطل. وهنا سأناقش العوامل المحيطة بهذه المفاوضات والمتوقَّع حدوثه حسب موقف الجيش.
هنالك عامل يرتبط بمكان المفاوضات، وهو واشنطن بكل ما تحمله من رمزية للسطوة والقرارات الملزمة، وتجارب السودان السابقة مع قرارات العقوبات التي خرجت من هذه العاصمة منفردة، وكان لها تأثير بالغ على السودان.
وهنالك لاعب مهم جداً، وهي الإمارات، بعلاقتها القوية مع أمريكا، باعتبارها وكيلًا إداريًا سُلِّمت إليه أغلب ملفات المنطقة ليديرها بالنيابة عن أمريكا، بما يخدم المصالح الأمريكية في مواجهة الصين وروسيا.
لدى الإمارات لاعب خطير جداً داخل واشنطن، وهو السفير يوسف مانع العتيبة، هذا الشخص الذي اخترق المجتمع السياسي الأمريكي، وحاز على عدد من الألقاب مثل “ساحر واشنطن”، وأصبح أحد المتبرعين البارزين بملايين الدولارات في حفلات جمع التبرعات للجمعيات الخيرية. يقيم حفلات باذخة يجمع فيها أقوى سياسيي الوسط الأمريكي، وشكّل تحالفات مع لوبيات عديدة، مما جعله يتواجد في الاجتماعات السرية التي تحدد تحركات أمريكا في المنطقة.
وهنالك وثيقة مسرَّبة من “ويكيليكس” تتحدث عن مشاركته في اجتماع سري قدّم فيه اقتراحًا بالتخلّص من بشار الأسد. المعلومات عن قوة يوسف العتيبة ليست سرية، بل متاحة في محركات البحث، ولقبه كأقوى سفير في واشنطن معروف للجميع.
العامل الثاني المحيط بهذه المفاوضات هو أمن البحر الأحمر والحرب الحتمية التي قد تخوضها إسرائيل ضد إيران، والتي تتطلب ألّا يوجد أدنى احتمال لبلد قد يتخذ موقفًا مساندًا لإيران. وحتى إن لم تخض إسرائيل هذه الحرب وحققت أهدافها بطرق سلمية، يجب أن تؤمّن ظهرها لتكون في موقف قوة يفضي إلى تحقيق أهدافها.
العامل الثالث هو الدول الداعمة لطرفي الحرب. هذه الدول لا تستطيع الخروج عن الخطة الأمريكية – الإسرائيلية للمنطقة، لأن أمريكا قادرة على ضرب مصالحها، وهي أكبر من المصالح التي تنالها من استمرار الحرب.
ودول الخليج تحديدًا ليس من مصلحتها أن يميل السودان إلى إيران، في ظل التنافس السياسي بينها والذي يتطور إلى صراع عسكري غير مباشر أحيانًا. أما مصلحة مصر فهي أن يظل السودان تحت سيطرتها، ولا بأس أن يكون منبوذًا ومتهمًا بالإرهاب، لتبقى الملفات السودانية تمر عبر الوسيط المصري.
العامل الرابع، وهو الأخطر، يتمثل في اختلاف الأطراف الداخلية التي تخوض الحرب مع الجيش تجاه هذه المفاوضات. وأقوى هذه الأطراف هم الإخوان المسلمون بسيطرتهم على مراكز القرار والإعلام، ومع أن الهدف المعلن من هذه المفاوضات هو إيقاف الحرب، إلا أن من بين أهدافها أيضًا إبعاد الإخوان المسلمين من السلطة، لذلك من المتوقع أن تحدث مقاومة داخلية ليست سهلة في حال استجابة البرهان للطلبات الأمريكية بوقف الحرب.
أما إذا قرر البرهان الرفض أو المماطلة، فستحرّك أمريكا أدواتها للضغط على حكومة بورتسودان حتى تصل إلى نقطة الانهيار، مع رفع القيود عن تسليح الميليشيا ودعمها سياسيًا، إلى جانب الضغط على الدول الداعمة للجيش لإيقاف دعمها. ولن تخاطر هذه الدول بأن تصبح طرفًا في خلاف مع ترامب.
وهنا نتذكّر ما حدث عندما أعلن ترامب إيقاف الحرب بين الهند وباكستان. تشير كثير من المصادر إلى أن ترامب فرض هذا الإيقاف دون أن يُخبر الدولتين أو يُشاورَهما، فاستجابت باكستان وأشادت بجهوده، ورشّحه مسؤول باكستاني لجائزة نوبل، بينما رفض رئيس الوزراء الهندي أن ينسب الفضل لترامب أو يدعم ترشيحه. وقد أدى ذلك إلى أن يهاجم ترامب الهند ويهددها بفرض رسوم جمركية، مما صنع أزمة دبلوماسية، رغم أن الهند تُعد حليفًا أمريكيًا عسكريًا واقتصاديًا مهمًا جدًا.
الخلاصة:
لقد حدّدت أمريكا غرض المفاوضات: إيقاف الحرب وإبعاد الإخوان المسلمين، في خطوة تسبق العملية السياسية التي تفضي إلى حكومة مدنية. وما سيفعله الجيش سيحدّد ملامح المشهد القادم.





