راي

شئ للوطن ــ م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com ــ القيادة الأخلاقية: بوصلة السودان في بحر التعافي ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

 

يمر السودان اليوم بمرحلة تاريخية مفصلية، تتطلب من قادته، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وأعضاء حكومته، نوعًا خاصًا من القيادة يتجاوز الكفاءة الإدارية إلى العمق الأخلاقي. ففي ظل ما خلفته الحرب من دمار شامل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لم تعد القيادة مجرد منصب، بل أصبحت مسؤولية أخلاقية جسيمة، تقع على عاتق من يقودون عملية التعافي وإعادة الإعمار. إن نجاح هذه المرحلة لا يعتمد فقط على الخطط الاقتصادية أو السياسية، بل على قدرة القيادة على إعادة بناء الثقة، وتعزيز النزاهة، وغرس ثقافة تنظيمية جديدة تكون أساسًا لمؤسسات الدولة القوية.
إن أول وأهم متطلبات القيادة الأخلاقية هو إعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والدولة. لقد أدت عقود من الفساد والمحسوبية إلى شرخ عميق، لا يمكن رأبه إلا من خلال الشفافية المطلقة والمساءلة الصارمة. على الدكتور كامل إدريس وحكومته أن يتبنوا نهجًا يقوم على كشف الحقائق، واطلاع الشعب على التحديات والفرص، وتحديد مصير الموارد التي ستخصص لإعادة الإعمار. يجب أن تكون هناك آليات واضحة لمحاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد، بغض النظر عن منصبه أو انتمائه.
إن الشفافية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي تعبير عن احترام القيادة للمواطن، واعترافها بأن الأموال والموارد هي ملك للشعب، وليست حكرًا على فئة معينة. . هذا الالتزام بالمساءلة يخلق بيئة من النزاهة، ويشجع الكفاءات على العطاء، ويُثبّط من عزيمة من يحاولون استغلال الظروف الصعبة لمصالحهم الشخصية.
إن القيادة الأخلاقية لا تقتصر على القرارات الكبرى، بل تتغلغل في النسيج اليومي للمؤسسات الوزارية. يجب على رئيس الوزراء وأعضاء حكومته أن يكونوا قدوة في سلوكهم، وأن يجسد القيم التي يدعون إليها. وهذا يتضمن رفض المحسوبية في التعيينات والترقيات، ووضع الكفاءة والجدارة كمعيار أساسي.
إن تعيين الأشخاص المناسبين في الأماكن المناسبة، بناءً على مؤهلاتهم وخبراتهم، يبعث برسالة قوية بأن زمن المحاباة قد ولى، وأن مستقبل السودان سيُبنى على أساس العمل الجاد والتميز. إن هذه الثقافة التنظيمية الجديدة، التي تُعلي من شأن النزاهة والاحترافية، ستؤدي إلى تحسين الأداء الحكومي، وتقديم خدمات أفضل للمواطنين، واستعادة ثقة المجتمع الدولي في قدرة السودان على إدارة شؤونه بفعالية.
تتطلب مرحلة التعافي قيادة متعاطفة تدرك حجم المعاناة التي مر بها الشعب السوداني. إن القيادة الأخلاقية ليست مجرد إدارة للمشاريع، بل هي إدارة للآمال والأحلام. على الحكومة أن تضع في أولوياتها تلبية احتياجات الفئات الأكثر تضررًا من الحرب، وأن تعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية.
إن توزيع موارد إعادة الإعمار بشكل عادل، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى من يستحقونها، وتوفير فرص متساوية للتعليم والعمل للجميع، هي كلها تعبيرات عن القيادة الأخلاقية. يجب أن يشعر كل مواطن سوداني، أينما كان، بأن الحكومة تمثله وتهتم بمصالحه. هذا الشعور بالانتماء والعدالة هو ما سيُوحّد الصفوف ويدفع الجميع للمساهمة في بناء المستقبل.
في الختام، إن القيادة الأخلاقية هي ليست ترفًا في هذه المرحلة الحرجة، بل هي ضرورة حتمية. إن الدكتور كامل إدريس وحكومته يواجهون تحديًا هائلاً، لكنهم يمتلكون فرصة تاريخية لترك بصمة خالدة في تاريخ السودان.
إن تبني نهج يقوم على الشفافية والمساءلة، وغرس ثقافة تنظيمية قائمة على الجدارة والنزاهة، والعمل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، هو ما سيجعل من عملية إعادة الإعمار رحلة نحو بناء دولة قوية وموحدة ومزدهرة. إن مستقبل السودان يبدأ اليوم، بوصلته هي القيادة الأخلاقية التي تضيء الطريق نحو التعافي. فهل ستكون هذه البوصلة هي المرشد في مسيرة السودان نحو غد أفضل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى