
ما بين حرف (الغين) و(القاف) تختلف المعاني وتختلف المشاهد وتختلف الانفعالات النفسية والجسدية والفكرية للفرد ويختلف الحال تماماً ما بين حال مناضل لاقتلاع حق أو مجبور لتقبل حال فرض عليه بقوة أكبر من قدراته أو مكسور
لا حيلة له على التغيير لكنه ينتظره.
ما بين حرف(الغين) و(القاف) تختلف الآمال والطموحات والأمنيات ما بين شخص يُمنّي نفسه بالحصول على الحرية الفكرية والسياسية والاقتصادية التي استغلتها دول استعمارية وما بين شخص ضعيف أو فقير استغله آخرون وسخروه لعمل بسعر زهيد أو أخذوا حقه دون مقابل يسعى دون حيلة له لاسترداد ذلك الحق.
والوجع رفيقهم والألم صديقهم والخوف حالهم الدائم والجوع والعطش وجميعهم من غير صوم صائم. عاشوا الانكسار عنوة بلا حول لهم ولا قوة.. عاشوا رهائن تحت القصف وجنائز فوق النعش
عاشت أم المدائن في الحرب استغلال فكر إنسانها المتقد بالثورية والحرية كيف لا وهم سلالة أحمد خير المحامي صاحب فكرة مؤتمر الخريجين النواة التي أثمرت الأحزاب السودانية وقادت لدستور الحكم الذاتي واستقلال السودان هذه المدينة التي صنع فكر إنسانها الاستقلال عاشت ثلاث أعوام عاجزة عن الاحتفال بأعياد الاستقلال الذي صنعه مفكروها وإنسانها الذي يشع حرية وثورة ووقعت تحت الاستغلال الحربي لحرية إنسانها ومدخراته الاقتصادية والزراعية وثروته الحيوانية وحركته التجارية.. وأصبح مكسور مقهور ومجبور أن يختار واحد من اثنين إما التشريد والنزوح واللجوء وإما طأطأة الرأس والخوف والضياع وسط الأسلحة والصراع.
ولكن بعد كل ذلك وبحق الأكف التي ترفع في المساجد لربي رب السماء وبحق الصالحين في هذه المدينة والأولياء وبحق ناسها الأكارم البسطاء وبحق القائمين الليل يدعون الله في الخفاء رجعت لأم المدائن الحياة..
رجع إنسانها للبيوت وللحيشان والطبيعة الغناء.. رجعت الشوارع تصرخ بالحرية شموخ وكبرياء: (أنا هِنا شبيت يا وطني غيرك ما لَقِيت يا وطني..) رجعت مدني تحتفل بعد الاستغلال بالاستقلال (اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا) رجعت مدني تحتفل بعرس السودان وعروسه الجزيرة حرة مستقلة وعاش حلاوة فرح التحرر كل سوداني وفي كل بلاد الدنيا ردد
(الليلة عرسك يا الجزيرة.. الخبر الجانا برة مدني قالوا الليلة حرة)..
ومن عمق الإحساس بأعياد الاستقلال كان لإحساس الاستقلال في أم المدائن مدني طعم آخر.





