
مرفأ الكلمات ــ
عثمان عولي ــ
سفارة السودان بالقاهرة… بيانٌ بالعمل ــ بعانخي برس
أكتب اليوم عن سفارة السودان بالقاهرة، لا من موقع موظف فيها، ولا من موقع صاحب مصلحة خاصة، ولا لأنني أحد كوادرها، وإنما أكتب من موقع المواطن السوداني الذي عاش تفاصيل المشهد، وتابع العمل، وشهد الجهد، وطرق أبواب السفارة في قضايا تخصه وتخص أسرته وزملاءه ومعارفه، فوجد في كثير من الأحيان أبواباً مفتوحة، وموظفين يعملون تحت ضغط هائل، ومسؤولين يدركون أن وراء كل معاملة إنساناً سودانياً ينتظر خدمة أو حلاً أو أملاً.
وإن كان لي شرف الانتماء إلى سفارة بلادي بالقاهرة، فهو انتماء من نوع آخر؛ انتماء الحب والعشق الذي لا يحتاج إلى وظيفة ولا راتب ولا منصب. يجمعني بها علم السودان الذي يرفرف عالياً فوق ساريتها، وصقر الجديان الذي يستقبلك شامخاً منذ عتباتها الأولى، ويذكّرك بأنك أمام بيت من بيوت السودان، وإن كنت بعيداً عن الوطن.
وقد تابعت، كما تابع كثيرون، انتقال السفارة من مقرها القديم بالدقي إلى مقرها الحالي بالتجمع الخامس، خطوة بخطوة، وكنت أرى في هذا الانتقال أكثر من مجرد تغيير عنوان. كنت أراه مشروعاً لحفظ كرامة المواطن السوداني في غربته، وتطوير بيئة العمل الدبلوماسي والقنصلي، وإعادة ترتيب العلاقة بين السفارة والجالية بما يتناسب مع حجم المسؤولية التي فرضتها الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان.
ومن الإنصاف هنا أن نستعيد بعض صفحات العمل، لا لنجامل أحداً، وإنما لأن التاريخ المهني لا ينبغي أن يُكتب بذاكرة انتقائية.
في السنوات التي شهدت التدفق الكبير للسودانيين إلى مصر، كان القنصل السابق الأستاذ إبراهيم عمر حاضراً في قلب المشهد، إلى جانبه مدير الجوازات آنذاك العقيد عادل يونس، ومعهما طاقم السفارة والقنصلية الذين واجهوا ضغطاً استثنائياً لا يحتاج إلى كثير شرح.
كانت أعداد السودانيين تتزايد، والطلبات تتراكم، والجوازات والمعاملات القنصلية لا تتوقف، والعمل يمتد لساعات طويلة، وأحياناً إلى ما بعد منتصف الليل، بل إلى ساعات الفجر. ولم يكن ذلك ترفاً وظيفياً، وإنما كان استجابة لظرف إنساني ووطني بالغ التعقيد.
ثم جاء السفير محمد عبدالله، فكان له حضوره في ملفات المواطن السوداني، وتجاوزت تحركاته حدود العمل التقليدي للسفارة إلى التعاون مع منظمة الهجرة الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وغيرها من المؤسسات ذات الصلة، في محاولة لمعالجة قضايا السودانيين الذين أجبرتهم الحرب والظروف القاسية على مغادرة بلادهم.
غادر السفير محمد عبدالله، وجاء بعده سعادة السفير الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، فتحمل الرجل مسؤولية ثقيلة في ظرف أثقل، ولم يبدأ من فراغ؛ فقد تسلم سفارة تعمل في بيئة استثنائية، وجالية هي الأكبر والأكثر تنوعاً، وملفات سياسية ودبلوماسية وإنسانية وتعليمية وقنصلية متشابكة.
ولست هنا بصدد صناعة صورة مثالية لا تخطئ، فكل مؤسسة بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتطوير، والسفارة ليست فوق النقد. لكن الفرق كبير بين النقد الذي يقصد الإصلاح، والقول الذي يختزل تجربة مؤسسة كاملة في زاوية ضيقة أو خلاف عابر.
وفي هذا السياق، لا يمكن أن نغفل الدور الذي قام به القنصل السابق إبراهيم عمر، ولا الجهد الذي بذله العقيد عادل يونس، ولا ما يقدمه العقيد الوليد سيد في موقعه، ولا الجهد المتواصل لطاقم السفارة والقنصلية وعلي راسها القنصل الشاب ووجه الدبلوماسية الوزير المفوض القنصل بخاري حبيب الله وتحويل كل المعاملات الي معاملات إلكترونية عبر البوابة الرقمية الي أن صارت المعاملات اليدويه صفريه تماما.
وعندما نتحدث عن أصحاب صحائف العمل، فإن الكلمات تتزاحم عند الحديث عن الملحق الطبي الدكتور خضر فيصل، الذي لم يتعامل مع الملف الطبي باعتباره مجرد وظيفة، وإنما فتح أبواباً للمبادرات والشراكات الإنسانية، وتعامل مع ملفات علاج الإصابات والسكري وأمراض الكلى والسرطان وغيرها من الملفات الثقيلة التي تمس حياة الناس بصورة مباشرة.
ثم يأتي المستشار الثقافي الدكتور عاصم أحمد حسن، صاحب ملف واسع يتصل بالطلاب السودانيين في الجامعات المصرية، فضلاً عن الملفات التعليمية وامتحانات الشهادة السودانية بمراحلها المختلفة، وهي ملفات بحجم يصعب اختزاله في تصريح أو مقال.
ولا يمكن أن نغفل المستشارية الأمنية والعسكرية، وما قامت به من أدوار تتصل بالملفات الأمنية والعسكرية، ومن بينها تأمين الامتحانات السودانية التي انعقدت في جمهورية مصر العربية، وهو عمل يحتاج إلى تنسيق دقيق وانضباط عالٍ ومسؤولية كبيرة.
أما سعادة السفير الفريق أول مهندس عماد الدين مصطفى عدوي، فإن الحديث عن تجربته يحتاج إلى مساحة أكبر من هذه المساحة. فهو أولاً عسكري معروف بالانضباط والذي نشهد به لقواتنا المسلحه ، وثانياً مهندس يحمل مؤهله الأكاديمي، وثالثاً دبلوماسي يقف على ملف من أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية السودانية.
ولعل انتقال السفارة من الدقي إلى التجمع الخامس واحد من الملفات التي تستحق القراءة بعيداً عن الانطباعات الشخصية؛ فالمقر ليس جدراناً فقط، وإنما بيئة عمل، وواجهة دولة، ومكان ينبغي أن يشعر فيه المواطن السوداني بأن كرامته محفوظة وهو يراجع مؤسسات بلاده خارج الوطن.
كما أن إدارة العلاقة مع مصر، بما تمثله القاهرة من ثقل سياسي ودبلوماسي وشعبي، ليست مهمة عادية. إنها علاقة بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمصير، ولذلك فإن أي جهد دبلوماسي في هذا الاتجاه ينبغي أن يُقرأ ضمن سياقه الأشمل.
ومن هنا أتوقف عند مقال الزميلة الأستاذة داليا الياس، التي تحدثت عن مواصفات السفير الذي يصلح للقاهرة، وطالبت بالدبلوماسي المتخصص، صاحب الخبرة والحكمة والحضور والنزاهة والقدرة على التعامل مع المواطنين والاقتراب من قضاياهم.
وأقول لها بكل احترام: كل ما ذكرتِه جميل ومطلوب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أليست هذه الصفات ذاتها مما ينبغي أن نقيس به الأداء القائم قبل أن نطالب بتغييره؟
والأهم من ذلك: هل يجوز أن نحاكم مؤسسة كاملة من خلال موقف شخصي أو خلاف عابر؟
أنا هنا لا أدافع عن شخص بعينه، ولا أبحث عن انتصار لسفير أو قنصل أو موظف. أنا أدافع عن الحقيقة كما رأيتها وعشتها.
لقد تعاملت مع السفارة في قضايا تخصني وتخص أسرتي، وتعاملت معها في قضايا تخص زملاء وأصدقاء ومعارف، وكنت شاهداً في بعض الأحيان على عقد قران، أو طالب خدمة تعليمية، أو متابعاً لخبر دبلوماسي يحتاج إلى تغطية إعلامية، ولم تكن مهمتي دائماً تمر عبر واسطة أو معرفة شخصية.
ولذلك فإن شهادتي ليست شهادة من يسمع من بعيد، وإنما شهادة من اقترب من المشهد ورأى جزءاً من تفاصيله.
هل السفارة كاملة ولا تخطئ؟
بالتأكيد لا.
هل كل موظف فيها يؤدي عمله بالمستوى نفسه؟
بالتأكيد لا.
وهل النقد حق؟
نعم، بل هو ضرورة.
لكن النقد المهني ينبغي أن يفرق بين ملاحظة الخلل وإنكار الإنجاز، وبين المطالبة بالإصلاح ونسف كل ما تحقق.
نحن في حاجة إلى أن نقول للمؤسسة: أحسنتم حيث أحسنتم، وقصرتم حيث قصرتم، ونقترح عليكم ما يمكن أن يجعل الأداء أفضل.
أما أن نضع كل العاملين في سلة واحدة، ونغفل ليالي العمل الطويلة، وضغط الجوازات، وملفات الطلاب، والامتحانات، والمرضى، وقضايا الهجرة واللجوء، والملفات الدبلوماسية، وعلاقة السودان بمصر، ثم نصدر حكماً شاملاً، فذلك في تقديري لا يخدم المواطن السوداني الذي نريد جميعاً خدمته.
والأستاذة داليا الياس نفسها، كما أفهم من سياق طرحها، تعرف قيمة السفارة وأهميتها، وتعرف حجم الملفات التي تحملها، بل إنها أشارت إلى حساسية موقع سفير السودان بالقاهرة وثقل الجالية وتنوعها وتعقيد المرحلة.
إذن نحن متفقون على أصل القضية.
الخلاف الحقيقي هو: هل ننظر إلى الكأس الممتلئ فنطالب بالمزيد، أم ننظر إلى الجزء الفارغ فننسى كل ما امتلأ؟
أنا أختار الطريق الأول.
أريد سفارة أقوى.
وأريد خدمة قنصلية أسرع.
وأريد موظفاً أكثر قرباً من المواطن.
وأريد رقمنة أكبر للمعاملات.
وأريد شفافية أعلى.
وأريد أن يكون باب السفارة مفتوحاً للجميع دون تمييز.
وأريد في الوقت ذاته أن نعطي العاملين حقهم عندما يعملون ويجتهدون ويصيبون.
فليس من العدل أن نطالب الموظف بأن يعمل حتى الفجر عندما تكون الحاجة، ثم لا نذكر له ذلك إلا عندما نبحث عن خطأ.
القاهرة ليست محطة دبلوماسية عادية للسودان، والسفارة فيها ليست مجرد مبنى إداري. إنها وجه السودان، وبيت السودانيين في مصر، ونافذة من نوافذ الدولة السودانية، ولذلك فإن الحفاظ على هيبتها وتطوير أدائها مسؤولية مشتركة بين القيادة الدبلوماسية والعاملين والجالية والإعلام والمواطن.
وأنا، كصحفي وإعلامي، أؤمن أن القلم ليس سيفاً لتصفية الحسابات، وإنما ميزاناً للحقائق.
نختلف نعم.
ننتقد نعم.
نسأل نعم.
نطالب بالتطوير نعم.
لكن لا نقتل الجميل لأنه لم يكن كاملاً.
لقد عرفت السفارة في القاهرة في مراحل مختلفة رجالاً ونساءً بذلوا جهداً يستحق أن يُذكر، ولا أملك إلا أن أقول إن بيان السفارة الحقيقي ليس ما تقوله البيانات الرسمية، وإنما ما يراه المواطن في أرض الواقع.
ومن واقع ما رأيت، فإن في سفارة السودان بالقاهرة صفحات مضيئة تستحق الاحتفاء، وصفحات أخرى تحتاج إلى مراجعة وتطوير، وهذه هي طبيعة العمل المؤسسي.
أما أن نضع المؤسسة كلها في خانة واحدة، فهذا ظلم للتجربة وللذين يعملون فيها.
ولذلك أقول للزميلة داليا الياس، بكل الاحترام الذي يجمعنا في مهنة واحدة:
لعل وعسى… نعم.
لكن لعل وعسى أيضاً أن نمنح الإنصاف فرصة، وأن نقرأ الإنجاز كما نقرأ التقصير، وأن نضع الخلافات الشخصية خارج أبواب المؤسسات، وأن يبقى السودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأهم من أي خلاف.
فالسفارة سفارة السودان، وليست سفارة شخص.
والعلم علم السودان، وليس علم موظف.
وصقر الجديان الذي يستقبل الداخل إليها لا يسأل القادم: من تعرف؟ ولا لأي جهة تنتمي؟
إنه فقط يقول لك، بصمته المهيب:
هنا السودان.
ومن أجل السودان، نختلف بأدب، وننتقد بمهنية، ونشهد بالحق، ونترك أبواب الإصلاح مفتوحة.
وهذا، في تقديري، هو بيان السفارة بالعمل.





