
لا أحد ينكر أن المرحلة الراهنة تضع الحكومة أمام تحديات كبيرة في استعادة الخدمات ومعالجة آثار الحرب، غير أن نجاح التعافي لا يقاس بحجم ما يُنجز فقط، بل بمدى وصول أثره إلى المواطن، وبقدر العدالة في توزيع الخدمات بين الأحياء ومناطق المدينة وأطرافها.
في الكهرباء، تبرز الحاجة إلى تفسير واضح للبرمجة القاسية التي تعاني منها بعض المناطق، خصوصاً مع استقرار الإمداد بصورة أكبر في أحياء مجاورة. والسؤال هنا لا يتعلق برفض البرمجة باعتبارها إجراءً فنياً قد تفرضه ظروف الشبكة، وإنما بمعايير توزيعها: هل ترتبط بالأحمال، أم بالمغذيات، أم بالأعطال، أم بترتيبات التشغيل؟ فوضوح المعايير وشرح أسباب التفاوت في الإمداد من شأنهما تعزيز ثقة المواطن في إدارة الخدمة.
أما الطرق، فتبدو الصورة أكثر إيجابية مع الخطوات التي بدأت لإزالة طبقات الإسفلت المتهالكة وتسوية عدد من الطرق تمهيداً لإعادة تأهيلها. وهي معالجة مطلوبة، لأنها تتجه إلى أصل المشكلة بدلاً من الاكتفاء بالترقيع والمعالجات المؤقتة.
لكن هذه الجهود تحتاج إلى أن تمتد إلى الأحياء التي ظلت طرقها خارج دائرة التأهيل لفترات طويلة، وفي مقدمتها بعض مناطق شرق مدني ومايو الطرفية. هناك، لا يطالب السكان بشوارع فاخرة؛ المطلوب طريق صالح وآمن للحركة، ييسر الوصول إلى المدارس والمرافق الصحية والأسواق ومواقع العمل، ويخفف كلفة النقل والأعطال التي يتحملها المواطن يومياً.
ومن الطريق إلى كلفة الحياة، تأتي خطوة أخرى تستحق الإشادة، تتمثل في توجه الحكومة إلى إنشاء وتوسيع أسواق ومراكز البيع المخفض. ففي ظل ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية، تمثل هذه المبادرة استجابة مباشرة لضغوط المعيشة، وتكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على الوصول إلى الأسر الأكثر احتياجاً.
ولهذا فإن انتشار مراكز البيع داخل الأحياء، ولا سيما الطرفية، لا يقل أهمية عن خفض الأسعار نفسها. فالمواطن الذي يضطر إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى سوق مخفض قد يفقد جزءاً من الوفر في أجرة المواصلات. ومن هنا تصبح جغرافيا الخدمة جزءاً من سياسة تخفيف أعباء المعيشة، وليست مجرد تفصيل إداري.
وفي خضم الضغوط الاقتصادية، يبرز أيضاً الحديث عن حذف الأصفار من العملة كإجراء نقدي محتمل. غير أن إعادة ترقيم العملة، مهما كانت ضرورتها الفنية، لا تعني تلقائياً استعادة القوة الشرائية أو معالجة ارتفاع الأسعار. فالاستقرار النقدي يرتبط بعوامل أوسع، في مقدمتها الإنتاج، وسعر الصرف، والانضباط المالي، واستعادة النشاط الاقتصادي.
لهذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تغيير شكل الأرقام وحده، وإنما في استعادة قيمة ما يملكه المواطن وما يكسبه، بالتوازي مع استعادة الخدمات الأساسية.
وإذا كانت إعادة الإعمار قد بدأت من ملفات عديدة، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يصل أثرها إلى تفاصيل الحياة اليومية: كهرباء أكثر عدالة في التوزيع، وطرق تمتد إلى الأحياء التي طال انتظارها، وأسواق مخفضة قريبة من السكان، وسياسات اقتصادية تُقاس نتائجها بما يتحسن في حياة الناس لا بما يتغير في الأرقام.
فهنا تحديداً يصبح التعافي محسوساً، لا مجرد عنوان على الورق.





