راي

دكتور ابوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب .. نحو مجلس وزراء مؤسسي فعّال ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

يُعدُّ مجلس الوزراء قلب الجهاز التنفيذي للدولة، فمن خلاله تتحول الرؤية السياسية إلى سياسات، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى خدمات ونتائج يلمسها المواطن. ولذلك فإن بناء مجلس وزراء مؤسسي وفعّال ليس مجرد تحسين للاجتماعات أو زيادة عدد اللجان، وإنما هو مشروع لإصلاح مركز الدولة وتعزيز قدرتها على صناعة القرار وتنفيذه ومتابعته ومساءلة المسؤولين عن نتائجه.

وتتمثل المشكلة الأساسية في كثير من الأحيان في الفجوة بين القرار والتنفيذ؛ فقد تصدر القرارات والسياسات، لكنها تتعثر بسبب ضعف التنسيق، أو غموض المسؤوليات، أو نقص المعلومات، أو غياب المتابعة والمساءلة.

ومن هنا ينبغي أن تقوم منظومة العمل الحكومي على دورة واضحة:

معلومة دقيقة → تحليل مهني → أولوية واضحة → قرار محدد → مسؤولية وموارد → تنفيذ ومتابعة → تقييم وتصحيح.

مجلس الوزراء: من إدارة الملفات إلى قيادة الدولة

المجلس الفعّال لا ينبغي أن يكون مجرد ملتقى لتقارير الوزارات، وإنما مركزاً لصناعة القرار الاستراتيجي وتنسيق السياسات الحكومية. فالدولة الحديثة لا تعمل فيها الوزارات كجزر منفصلة، بل كمنظومة واحدة تتكامل فيها الأدوار لتحقيق أهداف وطنية محددة.

وهنا تبرز أهمية الأمانة العامة لمجلس الوزراء باعتبارها عقل المجلس وذاكرته المؤسسية، بحيث تضم كفاءات في القانون والاقتصاد والتخطيط والسياسات العامة والإدارة والبيانات، وتتولى:

– فحص الموضوعات قبل عرضها على المجلس.
– توفير الدراسات والبدائل والآثار المالية والقانونية لكل قرار.
– توثيق قرارات المجلس وحفظ الذاكرة المؤسسية.
– متابعة تنفيذ القرارات إلكترونياً.
– رصد التعارض بين السياسات الحكومية ومعالجته.
– رفع تقارير دورية عن مستوى التنفيذ والأداء.

فالمؤسسية تعني أن الدولة لا تعتمد على الأشخاص وحدهم، وإنما على النظم والقواعد والمعلومات والذاكرة المؤسسية التي تستمر مهما تغير المسؤولون.

الأولويات الوطنية أساس العمل الحكومي

من أخطر مظاهر ضعف الإدارة الحكومية تعدد الأولويات؛ فإذا أصبحت كل القضايا أولوية، ضاعت الأولويات الحقيقية.

لذلك ينبغي أن يحدد مجلس الوزراء في بداية كل مرحلة عدداً محدوداً من الأولويات الوطنية الكبرى، مثل: السلام والاستقرار، الاقتصاد والمعيشة، إصلاح الخدمة المدنية، الصحة والتعليم، البنية التحتية، التحول الرقمي وإعادة الإعمار.

ثم تُترجم كل أولوية إلى أهداف واضحة، ومؤشرات قياس، ومسؤوليات محددة، وموارد وجداول زمنية.

من القرار إلى التنفيذ

القرار الحكومي الناجح ليس هو القرار الجيد على الورق فحسب، وإنما القرار الذي يمكن تنفيذه وقياس نتائجه.

ولهذا ينبغي أن يُطرح مع كل قرار خمسة أسئلة أساسية:

ماذا سنفعل؟ من المسؤول؟ بأي موارد؟ متى يتم التنفيذ؟ وكيف نعرف أننا نجحنا؟

ومن الضروري إنشاء وحدة تنفيذ ومتابعة مرتبطة بمجلس الوزراء، تكون مهمتها متابعة الأولويات الوطنية، دون أن تحل محل الوزارات، مع تقييم دوري لأداء الوزراء والجهات الحكومية وفق مؤشرات واضحة.

وبذلك ينتقل العمل الحكومي من سؤال: ماذا فعلت الوزارة؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا تغير على أرض الواقع؟

السودان يحتاج إلى هذا الإصلاح أكثر من غيره

تزداد الحاجة إلى مجلس وزراء مؤسسي في السودان بسبب تعقيدات المرحلة وتداخل الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والإنسانية وإعادة الإعمار.

فالمرحلة المقبلة لا تحتمل إدارة الدولة بعقلية الإجراءات اليومية وحدها، وإنما تحتاج إلى مركز حكومي قادر على ترتيب الأولويات، وتنسيق الموارد، وربط الخطط بالموازنة، ومنع تضارب الاختصاصات بين الوزارات والولايات والمؤسسات.

كما أن إعادة الإعمار يجب أن تُدار باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً؛ فالطرق ترتبط بالطاقة والمياه والإسكان والصحة والتعليم والتمويل والتنمية المحلية، ولا يمكن لوزارة واحدة أن تدير هذه الملفات بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

حكومة تعمل بالبيانات

مجلس الوزراء الحديث يحتاج إلى نظام معلومات حكومي ولوحة متابعة وطنية تتيح لصانع القرار معرفة وضع الاقتصاد والخدمات والمشروعات بصورة دورية.

فيمكن، على سبيل المثال، قياس التضخم، وتوفر الأدوية، وتأهيل المدارس، وإنجاز الطرق، وجودة الخدمات، مع تحديد المستهدف والمسؤول وموعد المراجعة.

وهكذا يصبح القرار مبنياً على المعلومة والمؤشر لا على الانطباع، وتصبح المساءلة مرتبطة بالنتائج لا بمجرد النشاط الإداري.

السياسة والكفاءة المهنية

المؤسسية لا تعني إبعاد السياسة عن الحكم، ولا تعني تسليم الدولة للخبراء وحدهم؛ وإنما تعني أن القيادة السياسية تحدد الاتجاه والأولويات، بينما توفر المؤسسة المهنية المعلومات والدراسات والبدائل والأدوات اللازمة للتنفيذ.

فالوزير صاحب القرار السياسي، لكن القرار ينبغي أن يستند إلى دراسة قانونية ومالية وفنية، بما يحمي الدولة من تسييس الإدارة ومن تسييس القرار الفني في آن واحد.

نحو نموذج سوداني لمجلس الوزراء

ليس المطلوب استنساخ تجارب الدول الأخرى، وإنما الاستفادة من المبادئ الناجحة وبناء نموذج سوداني يناسب واقع البلاد.

ويمكن أن يقوم هذا النموذج على:

1. مجلس وزراء فعّال يركز على السياسات والقضايا الاستراتيجية.
2. أمانة عامة قوية ومهنية تكون مركزاً للمعلومات والتنسيق والمتابعة.
3. لجان وزارية متخصصة للملفات المشتركة، كالاقتصاد والخدمات وإعادة الإعمار والتحول الرقمي.
4. وحدة تنفيذ ومتابعة مرتبطة بمجلس الوزراء.
5. نظام إلكتروني لمتابعة قرارات المجلس.
6. تقييم دوري لأداء الوزراء والوزارات وفق مؤشرات واضحة.
7. ربط الخطط بالموازنة حتى لا تبقى الخطط وثائق بلا موارد.
8. إصلاح الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والمهنية والاستمرارية.
9. تعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات التي لا تتعارض مع الأمن والمصلحة العامة.
10. جعل المواطن معياراً نهائياً للأداء الحكومي من خلال قياس جودة الخدمات ورضا المستفيدين.

الخاتمة

إن بناء مجلس وزراء مؤسسي وفعّال يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الدولة السودانية الحديثة. فالدولة القوية ليست التي تمتلك القوانين والمؤسسات على الورق فقط، وإنما التي تستطيع مؤسساتها أن تتخذ قراراتها على أساس المعرفة، وأن تنسق جهودها، وأن تنفذ ما تقرره، وأن تحاسب المسؤول عن التقصير.

والتحدي الحقيقي ليس أن يجتمع مجلس الوزراء أكثر، وإنما أن يحكم بصورة أفضل؛ وليس أن يصدر قرارات أكثر، وإنما أن يضمن تنفيذ القرارات ذات الأولوية؛ وليس أن تتعدد اللجان، وإنما أن تكون هناك منظومة واضحة للمسؤولية والمتابعة والمساءلة.

ومن ثم فإن «نحو مجلس وزراء مؤسسي فعّال» ينبغي أن يتحول من مجرد عنوان إلى مشروع لإصلاح مركز الدولة، قوامه:

المؤسسية، والتنسيق، والأولوية، والمعلومة، والتنفيذ، والمساءلة، والنتائج.

ويمكن لهذه الرؤية أن تشكل أساساً لإعادة بناء جهاز تنفيذي سوداني أكثر قدرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وقيادة إعادة الإعمار، وتحسين الخدمات، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى