(خمّة نفس) ــ عبدالوهاب السنجك ــ تلاميذ ولاية الجزيرة ما بين التجهيل والتسريب ــ بعانخي برس
بعانخي برس

كثيرون يرون مايجري الآن في ولاية الجزيرة من حيث إعلان انطلاق العام الدراسي الذي أُطلقت عليه مسميات “مضغوط.. تعويض” ليكون في 70 يوماً مرحلتي الأساس والمتوسط، وفي ظل مطالبة المعلمين بصرف مستحقاتهم المالية، أن هذا الإعلان هو “شهادة وفاة” للتعليم، قبل أن يكون بداية لعام دراسي.
70 يوم = عام دراسي؟!
بالله عليكم، أي عقل يستوعب إنو منهج سنة كاملة، بكل تعقيداته، ينضغط في 70 يوم؟ ده ما تعويض، ده تجهيل مُغلف بورق رسمي.
الطالب الحيدخل الامتحان بعد شهرين ونص، ما حيكون متعلم.. حيكون “حافظ كم ورقة” عشان ينجح. والفرق كبير بين متعلم وحافظ..
“وانتم تعلمون” ..
والمعلم الجائع لا يُعلّم..
“وأنتوا عارفين” ..
والمصيبة الأكبر: المعلمين لسه ما صرفوا حقوقهم. كيف تطلب من أستاذ يقيف 6 حصص في اليوم، ويشرح منهج مضغوط، وبطنه فاضية وبيته محتاج؟! والموضوع دا فات اضنيكم لي غادي.
المعلم لو ما شبعان، السبورة حتكون فاضية حتى لو هو واقف قدامها. فاقد الشيء لا يُعطيه..
“دا ما فايت عليكم..”
دا كلو هين كيف لتلميذ في الصف الأول أساس، لسه ما بعرف يمسك القلم صح، وما بعرف حتى يقعد قعدة الزول البيتعلم، أنو يستوعب كتابة حرف “أ” أو رقم “1” في حصة حساب مدتها 30 دقيقة؟! “بس قولوا لينا!!”
يا ناس.. الصف الأول ده ما حروف وأرقام ساي. ده “سنة تأسيس الروح”. الطفل بيتعلم فيها كيف يمسك القلم، كيف يقيف في الصف، كيف يقول “حاضر يا أستاذ”. بيتعلم الأمان قبل ما يتعلم الجمع والضرب والقسمة..”” ودا مش فايت عليكم..”
تجي تقول لي 70 يوم “مضغوط”؟ يا أخي الزول عشان يتعلم يربط حذاءه براهو داير شهر. فما بالك بعقل لسه زي العجينة؟! “كيفن كدا”
والأعجب من العجب…
كيف لانطلاق العام “التعويضي المضغوط” ده أنو وفي تلاميذ لسه ما عارفين مصيرهم؟ آلاف التلاميذ جلسوا لامتحانات الأساس والمتوسط، ولسه النتيجة ما طلعت. لا عارفين نجحوا ولا رسبوا.. ودي عايزااا ليها تلاتة أسابيع لعشان تعلن.. وانتواا عارفين كويس!!
حقيقة الكل في حيرة من أمره.. الأب حيران، المعلم حيران، والطالب المسكين هو الضحية. بقينا زي الزول البيرقع في توب مقدود.. كل ما نسد فتحة تتفتح عشرة.
والتسريب بدأ من فوق
لما الدولة تقول للطالب: “تعال للمدرسة والعام الدارسي 70 يوم”، هي عملياً بتسربو من المدرسة قبل ما يتخرج. بتسربو من الفهم، من التفكير، من الوطن.
لأنو الطالب الحيتخرج بالطريقة دي، حيكون أول زبون لمراكز “الكورسات” وآخر زبون لسوق العمل. شهادة بلا علم = بطالة وزحيح فوق لستك كورنا البيت..” أظنكم فاهمين قصدي”
طيب الحل وين؟! خمّة النفس وين؟!
الصراحة: قولوا الحقيقة. السنة دي ضاعت. وأحسن نعوضها صاااح، بدل نكذب على نفسنا وعلى اولانا بـ “عام مضغوط تعويض” . اصرفوا مستحقاتهم. المعلم المرتاح هو المصنع الوحيد للعقول. ما في مصنع بيشتغل بدون كهرباء أو طاقة شمسية.
ونقول ليكم ولاية الجزيرة “سلة غذاء السودان”، ليه ما تكون “سلة تعليم السودان”؟ خلوا ناس الجزيرة يديروا تعليمهم براهم. عندهم كفاءات، وعندهم وجع، والوجع بيعلم.
ما تقعدوا في المكاتب المكيفة وتخططوا لمستقبل أولادنا بـ “نسخ ولصق” كلااام مش كداا.
نقول ليكم ما ح
نقبل بتلميذ أولى أساس يطلع تاني وهو ما بعرف الفرق بين “ألف” العمود و “واحد” الرقم.
وانتوا لو فاكرين إنو 70 يوم حتسكت أولياء الأمور، تبقوا غلطانين.
ولو فاكرين إنو “تعويض” على الورق حيعوض سنين ضاعت من الحرب، تبقوا واهمين.
نحنا دايرين تعليم، ما “تمثيل تعليم”.
دايرين مدارس، ما “حظائر حشو”.
دايرين وطن، ما “دفتر حضور وانصراف”.
َوأولاد الجزيرة ديل ما أرقام في إحصائية.. ديل بذور.
لو سقيتوهم جهل، حتحصدوا خراب.
ولو سقيتوهم علم وصبر، حتحصدوا سودان جديد.
فاختاروا.. يا تزرعوا صاح، يا تشيلوا شيلتكم قدام ربنا وقدام التاريخ.
ونحنا هنا.. قاعدين لحد ما نسمع صوت الطباشير في السبورة، قبل صوت الميكرفون في المؤتمر الصحفي…
رايكم شنو..ياهو آلالم.. ماتزيدونا وجع.
(خمة نفس)
السير على الطريق الخطأ يرمي في الهاوية.. واحسن نقول الحقيقة وان كانت مر مرارة الحنظل.




