حوارات

نقلا عن مداميك ــ عرمان لمداميك: قد تنتهي الحرب بقسمة السلطة بين اطرافها ولكن ــ هل سيخرج التيار الثوري من تحالف صمود؟ -انتهى عصر الكفاح المسلح! -حقيقة ما نسب لجون قرنق عن مالك عقار! ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

عرمان لمداميك: قد تنتهي الحرب بقسمة السلطة بين اطرافها ولكن…
-هل سيخرج التيار الثوري من تحالف صمود؟
-انتهى عصر الكفاح المسلح!
-حقيقة ما نسب لجون قرنق عن مالك عقار!

إعداد : لبنى ادريس
منتصر عبد الماجد
حوار: لبنى إدريس

الجزء الثاني والاخير

نستكمل حوارنا مع الأستاذ ياسر عرمان، أحد أبرز الفاعلين في الحركة السياسية السودانية، وصاحب تجربة سياسية وفكرية ونضالية ممتدة لقرابة خمسة عقود.
في هذا الجزء نواصل الحديث حول محطات من التاريخ السياسي السوداني، وجذور أزماته وتحولاته، وإشكاليات الدولة والهوية، وصولاً إلى الحرب الراهنة وأسئلة المستقبل. ونمضي في مساءلة الأفكار والتجارب، وطرح الأسئلة الصعبة التي ظلت تؤرق غالبية السودانيين.
_______________

٩/ برز تباين في الخطاب والمواقف بين التيار الثوري وتحالف صمود، ما أسباب هذا التباين؟ وهل يمكن أن يقود إلى خروج التيار الثوري من تحالف صمود؟
تحالف صمود هو تحالف ديمقراطي ومن الطبيعي ان تحدث بعض التباينات وبل من الطبيعي ان تكون هنالك تيارات داخل التنظيم الواحد وخصوصاً عند محاولة معالجة قضايا كبرى مثل حرب ١٥ أبريل، والتيار الثوري هو نتاج لتجربتين، التجربة التاريخية للحركة الشعبية وتيار السودان الجديد وصلتها بحروب الريف السابقة والكفاح المسلح وترابطاتها الداخلية والخارجية مع حركات التحرر الوطني، وللحركة الشعبية ارث كبير في التعامل مع قضايا الحرب والسلام وخصوصاً الكوارث الإنسانية المصاحبة للحرب، والتجربة الثانية هي انحياز ومشاركة عضوية التيار الثوري في ثورة ديسمبر ورفض المفاهيم الضيقة لبعض حركات الهامش ومناهج العمل المسلح القديمة، وقام التيار الثوري بتجديد رؤيته على اساس حصاد التجربتين واندمج بشكل عضوي في تحالفات قوى الثورة، والتيار الثوري من مؤسسي هذه التحالفات وهي تحالفات ديمقراطية يجب ان تتيح الاختلاف والحوار والتناول الجماهيري لقضايا الخط السياسي والتكتيك والاستراتيجية دون حساسية وبغرض تقوية التحالفات، ومنذ ان بدأت هذه الحرب وفي فترة وجودنا في الخرطوم قمنا باعادة تكوين هياكلنا وعقد اجتماعات دورية لتقييم ما يدور داخل تنظيمنا وفي التحالفات، ومنذ البداية كنا نرى ان تقدم وصمود بأمكانهم التعامل بشكل أفضل في حل الإشكاليات الحالية وترتيب الأولويات، وفي مقدمة ذلك العلاقة بين العمل الإنساني والسياسي وان الإغاثة قبل السياسة، وان المدخل للسياسي هو الإنساني وهو ما اتجه نحوه المجتمع الدولي مؤخراً بعد ضياع وقت ثمين وتضحيات عظيمة من النازحين واللاجئين، ونحن ايضاً نتحدث عن تحسين البيئة الداخلية للتحالفات ولسنا وحدنا، ونرى ضرورة المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار وكيفية السباحة في ظل مؤثرات خارجية، واتقان التعامل مع الخارج، قد تمرسنا على ذلك من خلال تجاربنا السابقة، كما نطالب بالتخصص وتوزيع المهام، والانفتاح على المنابر الديمقراطية، وقد تقدمنا نحو ذلك في تجربة إعلان المبادئ الذي انضمت له قوى جديدة، ونطرح الاهتمام بضرورة الاهتمام بالمضمون الاجتماعي للتحالف في تناولنا لقضايا العدالة الاجتماعية وقضايا الريف والمواطنة وفي طرحنا لقضايا العملية السياسية.
هنالك تجاذب بين قضايا السلام المستدام والاتفاق الهش الذي يعيد انتاج الحروب، والاهتمام بالمضمون الاجتماعي يمكننا من تحقيق كتلة وزانة مطلبها الأساسي استدامة السلام ومدخلها حق الحياة ومعالجة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين وحقوق الضحايا والمحاسبة، وان يتم ربط ذلك بالعملية السياسية كحزمة واحدة مدخلها انساني.
نحن مؤمنين بضرورة التحالفات القائمة وانتقدنا تجربتنا ومن الضروري ان نساهم في التحالفات القائمة بمشاركة تجاربنا وخبراتنا وقد شارك بعضنا على مستوى قيادي في التحالفات وبناء السلام في السنوات الأربعين الماضية، ويجب ان يتسع صدرنا للحوار والاختلاف لان التحالفات ليست رابطة عسكرية قائمة على الاوامر بل هي تقوم على المصالح والحوار، نحن نواجه اوضاع معقدة تحتاج لحوار عميق دون تصدير اتهامات وباعتماد مناهج التحالفات الرصينة.
الحياة السياسية الحالية متأثرة بتجربة الإنقاذ الطويلة والتي تشيع مناخ غير صحي يعتمد على ان لا تؤخذ مؤسسات التحالفات بجدية وان يُطبخ كل شيء خارج المؤسسات، ان التحالفات يجب ان تخدم الناس العاديين وضحايا الحروب وملايين النازحين وضحايا الطائرات دون طيار واللاجئين، نحن نحتاج لاهتمام وتغيير جوهري في صلتنا بقضايا الداخل والمقاومة البطولية لشعبنا في مناطق الحرب، التحالفات الحالية وصمود على وجه التحديد لها انجازات ملموسة لكن من المهم تطويرها، نحن قد ساهمنا في كثير من المبادرات وفي الوثائق التي صدرت من صمود وإعلان المبادئ، ونتفاعل مع تجارب الأخرين ونقدم تجاربنا، والعمل المشترك لا يعني التخلي عن هويتنا الفكرية والسياسية، ونراجع تجربتنا ونراجع التحالفات، هذا هو جوهر الدعوة للإصلاح والتطور.

١٠/ توصلت إلى قطيعة مع الكفاح المسلح وتبنّيت العمل السلمي، ما أسباب هذا التحول؟

الكفاح المسلح ليس رغبة او مزاج شخصي بل استدعاه مستوى التطور الاجتماعي ووقائع التاريخ والجغرافيا وبعد تجربة طويلة وتمعن في نتاج الكفاح المسلح في إفريقيا وبلدان الجنوب العالمي وحركات التحرر الوطني، توصلت لضرورة احداث القطيعة الفكرية والسياسية والعملية مع الكفاح المسلح مع تفهمي الكامل لماذا يخوضه الآخرين سيما في تجارب بعينها، واصدرت ورقة في عام ٢٠١٧ بعنوان ( نحو ميلاد ثان لرؤية السودان الجديد- قضايا التحرر الوطني في عالم اليوم) يمكن الرجوع لها لمن اراد المزيد، صدرت قبل ثورة ديسمبر وتحمل رؤية نقدية لتجربة الحركة الشعبية دون التخلي عن رؤية السودان الجديد.
الكفاح المسلح هو آلية لتحقيق الرؤية وليس الرؤية نفسها، أدعو اليوم لتحقيق السودان الجديد عبر العمل السلمي المدني الديمقراطي لاسباب عددتها وضرورة تحديث الرؤية على ضوء الممارسة، وتجارب حركات الكفاح الثوري المسلح في غالبها لم تحل قضية العدالة الاجتماعية والديمقراطية في معظم البلدان التي وصلت فيها للحكم. كذلك الكفاح المسلح باهظ التكاليف قليل العائد في حل قضايا الجماهير، انني أراقب بشغف حركة (الصراصير ) بالهند وما يحدث في البرازيل وإسبانيا وصربيا وفرنسا والحركات الجماهيرية الجديدة.
ان تصاعد الظواهر السلبية ايضاً كالشعوبية ومعاداة المهاجرين وحروب الجغرافيا السياسية ونهب الموارد والذكاء الاصطناعي وبروز تعددية قطبية أخذه في التشكل سيكون لها تأثير عميق في التطور السياسي خارج بلادنا وداخلها.
وقديماً كان صديقنا الراحل أحمد شريف الأخ الأصغر للمبدع الكبير محجوب شريف يردد عبارة لا تُنسي ( ان هذا عصر الجماهير)، وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي الحديث دوراً بديعاً في متغيرات العالم.

١١/ هل المطالبة باستبعاد الإسلاميين ومحاسبتهم تمثل شكلاً من أشكال الإقصاء المضاد؟

استبعاد الاسلاميين ناتج من اختطافهم للدولة وهو ضرورة لازمة لاي تحول مدني ديمقراطي وهو مهمة لم تكتمل لثورة ديسمبر، قطع عليها الطريق بالانقلاب والحرب ولكنها ستكتمل، ان تحرير أجهزة الدولة من اختطاف الاسلاميين ليس باقصاء، فالدولة للوطن وللإسلاميين حزبهم، ليست هنالك اي امكانية لبناء الدولة والديمقراطية والمواطنة واستدامة السلام في ظل سيطرة حزب سياسي على اجهزة الدولة وحزبنتها خصوصاً تحول القطاع العسكري والأمني للدولة لجناح عسكري للحزب، ان مطلبنا موضوعي، المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية حزب غير طبيعي ابتلع الدولة ولابد من انهاء ذلك ومحاسبة المجرمين والفاسدين على جرائمهم، انه حزب لا يعترف بأهم مقومات الديمقراطية وهي التداول السلمي للسلطة، هو حزب معادي للتنوع والنساء واستخدم السودان كقاعدة لتهديد مصالح الآخرين في الخارج، وحول بلادنا لساحة للاشتباكات الاقليمية والدولية مما يهدد وحدتنا وهذا جوهر ما نقوله وهو مطالبة برفع العدوان الذي استمر لعقود وليس اقصاء، ان المؤتمر الوطني يستخدم الحرب كآلية للعودة للحكم.

١٢/ هناك مخاوف من التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب دون محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا، كيف يمكن تفادي ذلك؟

هذا مرتبط بأن تكون التحالفات الحالية ممثلة للضحايا وملتزمة بقضاياهم وبالدور الفاعل في انهاء الإفلات من العقاب، هنالك مخاطر جدية بان التخلي عن حق الضحايا تحت شعار العدالة الانتقالية لن يقود لسلام مستدام، ولتحقيق سلام مستدام لابد من جهد اكبر وجبهة اوسع وقد لامست ذلك بعمق في تجربتنا الاخيرة في شهر سبتمبر الماضي في الدورة ٦٣ لمجلس حقوق الانسان في جنيف، كذلك رأينا ان بعض الضحايا لم تطرح قضاياهم في الوثائق الدولية بالشكل المستحق كما هو الحال في ولاية الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض وكردفان، يجب ان يكون الإنصاف للجميع، كما ندعو لتكوين لجان قاعدية في كافة ارجاء السودان للمطالبة بالتعويضات وجبر الضرر الآن وبعد نهاية الحرب.

١٣/ لماذا تُعد قضية بناء الجيش من أهم قضايا مستقبل السودان، وكيف يمكن تنفيذها؟

دون وجود جيش مهني غير مسيس ويعكس التنوع السوداني وبدون ازالة الخلل البنيوي والتاريخي في المؤسسة العسكرية فإننا لن نصل لمرافئ الاستقرار أو التنمية لمن اراد ذلك او الديمقراطية او الثلاثة معاً وهو الذي يستديم السلام.
كل شئ يبدأ وينتهي عند اعادة بناء القطاع العسكري والأمني وحل كل التشكيلات الموازية وامتلاك الدولة لأدوات العنف، دون ذلك لن يتحقق انتقال مدني ديمقراطي، هذه القضية هي (عمود الخيمة، ومرق البيت ) إذا انكسر تشتت الرصاص، فانه لا يمكن بناء بيت جديد دون حل هذه القضية على نحو سليم ولمصلحة التحول المدني وثورة ديسمبر وانهاء الاختلالات التاريخية والماثلة في القطاع الأمني، لقد طرحنا هذه القضية منذ سنوات طويلة. ان تعددية الجيوش والمليشيات هي التي ادت لحرب ١٥ أبريل والتي بدورها أنتجت المزيد من المليشيات.

١٥/ هل فشلت محاولتكم في بناء السودان الجديد؟ وإذا عاد بك الزمن إلى لحظة انضمامك إلى الحركة الشعبية، هل كنت ستتخذ نفس القرار؟
نعم سأتخذ نفس القرار بالانضمام للحركة الشعبية ان عاد بي الزمن، فالبناء الوطني مسيرة طويلة ومعقدة، وتجربتنا مفيدة للأجيال القادمة، انضمامي للحركة الشعبية قبل ٤٠ عاماً وبدون وسائل التواصل الاجتماعي والى حركة تأسست في جنوب السودان وعلى رأسها قادة جنوبيين، فإنه حدث لا يستحق التقليل منه، وهو بذرة في ارضنا الطيبة شمالاً وجنوباً ولابد ان تنبت حتى بعد ان يغيبنا الزمن في رحلة الحياة القصيرة، وإنني أشعر بالزهو لا بالندم.
إذا اتيحت لي الفرصة سوف اكتب سيرتي الذاتية وتجربة مسيرتنا مع شهداء وغائبين بإيجابياتها وسلبياتها للأجيال القادمة حتى تصل لاتحاد سوداني بين دولتي السودان مرة أخرى وتعالج الخطأ التاريخيّ الذي حدث بانفصال جنوب السودان، انني احسّ بالسعادة والتواضع لأنني لم أفوت فرصة العمل مع مئات الألاف والمهمشين في الريف وهو امر لا يستحق الندم، وقد كنت محظوظاً بالعمل تحت قيادة اخانا الكبير جون قرنق والشهداء والناس ذوي الجمال من كافة ارجاء البلاد، من كان سيفوت فرصة اللقاء والرفقة مع يوسف كوة مكي؟ حياتنا نعيشها مرة واحدة وقد بذلنا ما نستطيع لتكريسها لخدمة شعبنا وكنا ولا زلنا مخلصين، لم نسعى لمكاسب او مناصب ورفضنا السلطة حينما سعت الينا في كثير من العروض التي وصفها الدكتور منصور خالد بأنها “يسيل لها لعاب الاخرين” ولا نأسف على شيء وفي انتظار الكلمة الاخيرة من شعبنا.
نعم فشلنا بالأمس ولكن السودان الجديد عملية طويلة من التشكل والمصاعب وتعقيدات البناء الوطني وقد واجه ذلك بلدان عديدة في عالمنا، فشل الأمس يمكن ان يكون درساً ووقوداً للمستقبل، يجب ان نأخذ انفسنا بالحزم والعزم وان ننتقد اخطاء الأمس وهي زادنا لمهام الغد على نحو أفضل واجمل وهي مهمة بدأت ولم تنتهي.

١٥/ إذا عدت إلى ما قبل 15 أبريل، هل كان هناك ما يمكن فعله لتفادي ما حدث؟

نعم، قبل ١٥ أبريل كان يجب ان نضع شعبنا على نحو اكثر فاعلية بالمخطط الذي يحاك ضدهم خصوصاً من قِبل قوى النظام القديم، كان الناس وقتها يتطلعون لنجاح الاتفاق الإطاري واستعادة الانتقال المدني لكن القوى الفاشية التي رأت فشل الانقلاب، لم يتبقى لديها سوى كرت الحرب، ورغم اننا كنا تحت ضغط الانقلاب ومخططاته بذلنا مجهودات كبيرة لتفادي الحرب، لكن الحكمة المتأخرة تقول دائماً ان هناك ما كان يمكن فعله وان كان قليلاً، فالقوى الفاشية الراغبة في العودة للسلطة اطماعها لا تحدها حدود، وحتى لو كان الثمن دمار السودان نفسه وهذا ما فعلته.

١٦/ كنتم من أوائل من نبّهوا إلى تداخل الجغرافيا السياسية في هذه الحرب، كيف تقيّمون الوضع الحالي؟

هذا الموضوع غاية في الاهمية واليوم هو أوضح مما كان عليه عند حديثنا عنه بالأمس، فحرب السودان اليوم تداخلت على نحو وثيق بالحرب في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب وهرمز وبحروب الساحل، وعالم اليوم تتربع على قمته حروب الجغرافيا السياسية المتداخلة مع نهب الموارد مما يستدعي ان نعجل بانهاء هذه الحرب واستمرارها مدعاة لمزيد من تأكل السيادة الوطنية وتمزيق النسيج الوطني والتدخل الخارجي، علينا تغيير الاتجاه نحو مشروع جديد للحفاظ على وحدة شعبنا وسيادته وموارده، والمثير في الأمر ان التدخل ليس على الارض فحسب بل ان الخوارزميات يمكنها السيطرة عليك وانت في غرفة نومك أو (راكوبة بيتك)، وتضرب عقلك مثل ما تفعل الطائرات دون طيار.
ان الفضاء الاجتماعي مليء بالدعاية التي تستهدف ارادتنا الوطنية ومحاولة تحولينا لأدوات لخدمة مصالح الاخرين بطرق ناعمة وأنيقة، نحن في ظرف غاية في الحساسية يستهدف الانسان والعقل والارض.

١٧/ ما رؤيتكم لتجربة حركات الكفاح المسلح في السودان؟ وكيف تقيّمون بعد كل هذه السنوات تجارب حركات التحرر الوطني في أفريقيا والعالم العربي؟

رحيل جون قرنق كان خطاً فاصلاً في الكفاح المسلح الثوري والمحاولة الجادة لوضع البندقية خلف رؤية ما بعد ذلك مختلف ومعقد، حركات الكفاح المسلح قدمت تضحيات كبيرة ولكن قادتها معظمهم في عالم الاحتجاجات والبحث عن كراسي السلطة والثروة وابتعدت الحركات المسلحة عن الجماهير وعن قضايا الناس، ومعظمها يعتمد على التحريض الإثني والجغرافي والقبلي أكثر من طرح مشاريع رحبة للبناء الوطني، فهي قد غرقت في التقزيم الإثني والجغرافي وبعضها يستأجِر بندقيته داخل وخارج السودان، لكن تجربتها سوف يتعلم منها الجيل الجديد القادم من الريف وسوف يتجاوز هذه التجارب ويستلهم رؤية صائبة وسديدة للبناء الوطني، وهو جيل يدرك أهمية السلام المستدام والعدالة الاجتماعية والحرية والطعام والكرامة للجميع، هذا هو طريق المستقبل.

١٨/ ما حقيقة المقولة المتداولة والمنسوبة إلى جون قرنق بشأن قضية “الدابي” ومالك عقار؟ وهل قيلت فعلاً، وما سياقها؟

غير صحيحة ومصدرها أساطين المكر والشيطنة من الإسلاميين ويتناولها بعض الناس الغاضبين من مواقف مالك عقار ومنهم من هو في جانب الثورة وهذا الحديث في جوهره هو محاولة للإساءة لجون قرنق أكثر منه لمالك عقار، فجون قرنق الذي عملت معه على نحو لصيق لسنوات طويلة لا يسئ لرفاقه وهذه ليست طريقته فقد ساهم في تربية الالاف الكوادر وعشرات القادة وهو إنسان جُبل على الفكر والصبر، وقد شاركت في اجتماعات شهدت خلافات بين مالك عقار وجون قرنق وآخرها في واشنطن واستطيع ان أوكد بكل ثقة ان جون قرنق لم يقل ذلك، والباحثين عن انتقاد مالك عقار يوجد أمامهم قضايا كثيرة لا تحتاج إلى قرنق وفي إمكانهم ان يفعلوا ذلك بعيداً عن قرنق، وقد درجت منابر الإسلاميين على بناء صور ذهنية ضد خصومها وقرنق خصم تاريخي لفاشية الإسلام السياسي.
عدد من الذين اعرفهم استخدموا ذلك بنية حسنة لتقوية حججهم ولا اعتقد ان هنالك حوجة لذلك.

١٩/ كيف ترى نهاية هذه الحرب؟

للأسف نهاية هذه الحرب لا تبدو في الافق، هنالك سيناريوهات عديدة جلها معادي للجماهير ولا يقبل المحاسبة، وأرجحها بحث اطراف الحرب عن اتفاق لقسمة السلطة، والجيش يطلب من الدعم السريع ان يكون شريكاً اصغر. ان طرفي الحرب بيدهم السلاح ومن بيده السلاح لن يكتب نفسه طوعاً خارج قسمة السلطة، لكن الشعب أقوى ويجب ان نرى خلف إحباطات الحرب قوة شعبنا وان تتحول التحالفات الحالية لكتلة عضوية وازنة، فمهما كانت الطريقة التي تنتهي بها هذه الحرب فان البنادق لن تقهر ارادة الشعب، والشعب غالب ولا غالب لارادته. لست من المنجمين وضاربي الرمل والودع ولكني أرى ان ثورة ديسمبر لاتزال حية، وتؤثر في بشدة المقاومة المتنامية داخل السودان والاحتجاجات والبسالة في زمن الحرب، ان الثورة تحت الرماد لها أوار سرعان ما ستشتعل متى ما اتسع الفضاء المدني، فقوى الحرب غير قادرة على توفير الحياة والسلام المستدام، والسلام المستدام هو كلمة المرور نحو المستقبل ولن تنتجه قوى الحرب بل تنتجه قوى الاستنارة والمدنية والثورة.
في ظل الانقسام الحالي الذي أحدثه طرفي الحرب ان القوى الوحيدة القادرة على توحيد الناس هي قوى ديسمبر، والديسمبريين والديسمبريات هم قوى المستقبل، فمن قتل الناس من أجل السلطة لا يستطيع توحيدهم، ان المتضررين وضحايا هذه الحرب هم صناع المستقبل.
https://www.medameek.com/?p=209724

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى