راي

محاسن عثمان نصر تكتب .. عاد التمساح إلى الدندر.. فمتى يعود الإنسان إلى وطنه؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

أثارت عودة التمساح إلى موطنه الطبيعي في محمية الدندر نقاشاً واسعاً في الأوساط السودانية عبر الأسافير. رأى البعض في الحدث مؤشراً على تعافي البيئة واستعادة المحمية توازنها، بينما تساءل آخرون بمرارة: كيف يجد كائن بري طريقه إلى موطنه، في وقت لا يزال فيه سودانيون نازحين عن ديارهم، ويواجه آخرون شظف العيش؟

رحّب متابعون بالاهتمام بالحياة البرية وحماية التوازن البيئي، وهو اهتمام مشروع ومسؤولية وطنية لا خلاف عليها، فالثروة الطبيعية جزء أصيل من موارد البلاد. غير أن المشهد استدعى مفارقة أكثر إيلاماً؛ فبينما تحتفي البلاد باستعادة الحياة البرية لبيئتها، تعاني أسر من تأمين الغذاء، ويجد أطفال أنفسهم خارج مقاعد الدراسة بسبب عجز ذويهم عن تحمل تكاليف التعليم.

ومن هنا تتجاوز الحكاية عودة كائن إلى موطنه، لتلامس سؤالاً أكبر: متى تصبح حياة السوداني واحتياجاته الأساسية في صميم دائرة الاهتمام؟

تتزايد الضغوط الاقتصادية على الأسر؛ تتراجع قيمة الجنيه، وترتفع الأسعار، ويتآكل الدخل، وتتقلص القدرة على توفير الغذاء والدواء والتعليم. وما كان في السابق مساحة للتخطيط للمستقبل، أصبح بالنسبة لكثيرين محاولة يومية لتدبير الضروريات.

ولا تقف الأزمة عند حدود الاستهلاك، بل تمتد إلى الإنتاج نفسه. فالمزارع، الذي يُفترض أن يكون أحد مفاتيح الحل الاقتصادي، يواجه أزمة تمويل خانقة مع اقتراب الموسم الشتوي، إلى جانب ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج وتقلبات سعر الصرف، بما يجعل اتخاذ قرار زراعي مستقراً أمراً بالغ الصعوبة.

وهذه الحلقة لا تعمل في اتجاه واحد؛ فتراجع الإنتاج يرفع كلفة السلع، وارتفاع التكلفة ينعكس على الأسعار، ومع ضعف العملة تتسع دائرة الغلاء، لتصبح خدمات أساسية كالتعليم والصحة بعيدة المنال عن شرائح أوسع من المجتمع.

وفي خضم هذه الضغوط، يبرز الذهب كأحد الموارد الكبيرة التي يمتلكها السودان، ويمكن أن يشكل رافداً للاستقرار الاقتصادي إذا أُدير ضمن سياسة وطنية متكاملة.

فلماذا لا يتحول هذا المورد، بما يمثله من قيمة نقدية واحتياطية، إلى جزء من منظومة حقيقية لدعم استقرار الجنيه؟

ليس المطلوب افتراض أن الذهب وحده قادر على إنقاذ الاقتصاد، ولا العودة بالضرورة إلى نظام قاعدة الذهب، وإنما إدارة المورد السيادي بكفاءة، عبر مكافحة التهريب، وإحكام الرقابة على الصادرات، وزيادة نصيب الدولة من عائداته، وبناء احتياطيات نقدية حقيقية، وتوجيه جزء من موارده لتمويل الواردات الأساسية ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.

فالثروة التي لا تجد طريقها إلى حياة الناس تتحول من فرصة إلى سؤال كبير. والقضية، في جوهرها، لا تتعلق بالذهب وحده، بل بالقدرة على تحويل موارد البلاد إلى قيمة ملموسة تنعكس على الاستقرار والإنتاج ومستوى المعيشة.

فلا معنى لاستقرار البيئة إذا ظل المجتمع مضطرباً في معيشته، ولا قيمة لوفرة الموارد إذا ظلّت الاحتياجات الأساسية فوق قدرة قطاعات واسعة على تحمّلها.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً:

إذا كان السودان قد وجد طريقاً لإعادة الحياة البرية إلى موطنها الطبيعي، فمتى يجد الطريق لإعادة الإنسان إلى وطنه، وإلى مائدة لا يخشى أن تخلو، ومدرسة لا يعجز عن تحمل تكلفتها، واقتصاد لا يستنزف دخله قبل نهاية الشهر؟

هذه هي المعركة الحقيقية؛ أن يصبح الإنسان أولوية، وأن تتحول موارد البلاد من أرقام وثروات كامنة إلى حياة أكثر أمناً واستقراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى