شاكر مختار يكتب .. لجنة السلم والمصالحات بالجزيرة… بين ضرورة المراجعة وحتمية التوافق ــ بعانخي برس
بعانخي برس

لا يختلف اثنان على أن ولاية الجزيرة، بعد ما مرت به من أحداث قاسية، تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع مجتمعي متكامل يعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ويؤسس لمرحلة عنوانها التسامح والتعايش والسلم الأهلي. ومن هذا المنطلق، جاء القرار رقم (34) الصادر عن والي ولاية الجزيرة بتشكيل لجنة للسلم والمصالحات، وهو قرار يحمل أهدافاً نبيلة في جوهره، لكنه أثار في المقابل جملة من الملاحظات والاعتراضات التي تستحق الوقوف عندها بعقلانية ومسؤولية.
أبرز هذه الملاحظات تمثلت في ما اعتبره عدد من القيادات المجتمعية إقصاءً لرموز أهلية وشخصيات اجتماعية مؤثرة من أبناء غرب السودان وسكان كنابي الجزيرة، رغم أنهم كانوا خلال السنوات الماضية أصحاب مبادرات معروفة في رتق النسيج الاجتماعي، واحتواء النزاعات، وتقريب وجهات النظر بين مكونات المجتمع. ويرى هؤلاء أن غيابهم عن اللجنة يحرمها من خبرات ميدانية وشبكات تواصل مجتمعي يصعب تعويضها. وكما تنبأ الزميل عبدالوهاب السنجك في مقاله بالأمس عن تفجر صراع نتيجة لهذه اللجنة فها هي الاصوات بدأت تعلو وخرجت عن ضجيج المواقع الي رحاب الواقع ،
فقد أبدت بعض الأصوات تحفظها على ضم شخصيات محسوبة على المؤتمر الوطني، معتبرة أن تشكيل لجنة بهذا القدر من الحساسية يجب أن يقوم على أوسع قاعدة من التوافق والقبول المجتمعي، بعيداً عن أي انطباعات قد تعطي اللجنة صبغة سياسية أو فئوية، لأن نجاحها مرهون بثقة جميع الأطراف فيها.
ولعل ما يزيد من أهمية هذه الملاحظات هو أن اللجنة، بحسب المنتقدين، أغفلت كذلك تمثيل الحكم المحلي، وهو القطاع الأقرب إلى المجتمعات المحلية والأقدر على متابعة تنفيذ برامج المصالحات في القرى والفرقان والأحياء. كما غاب عنها التمثيل الإعلامي، لا سيما الصحافة، رغم أن الإعلام شريك أساسي في نشر ثقافة السلام، والتوعية المجتمعية، ومساندة جهود المصالحات، ونقل رسائل الطمأنينة للمواطنين.
إن بناء السلام لا يتحقق بالقرارات وحدها، وإنما بالشراكة الحقيقية مع أصحاب التأثير داخل المجتمع. فالقيادات الأهلية ليست مجرد أسماء تضاف إلى القوائم، وإنما هي مفاتيح لكثير من الحلول، وتمتلك رصيداً من الثقة والعلاقات يمكن أن يسهم في إنجاح أي مشروع للمصالحة.
ومن هنا، فإن الدعوة التي أطلقتها هذه القيادات للجلوس المباشر مع والي الجزيرة تستحق الاستجابة. فالحوار الصريح يبدد المخاوف، ويقرب وجهات النظر، ويؤكد أن الهدف المشترك هو حماية وحدة الجزيرة ومنع أي أسباب قد تؤدي إلى الانقسام أو الإحساس بالتهميش.
إن مراجعة تشكيل اللجنة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تراجعاً عن القرار، بل خطوة تعكس المرونة السياسية والإدارية، وتعزز الثقة في مؤسسات الدولة. فاللجان التي تُبنى على المشاركة الواسعة تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها، خصوصاً في الملفات ذات الحساسية الاجتماعية.
ختاماً، تبقى الرسالة إلى والي ولاية الجزيرة واضحة وهي إذا كان الهدف هو بناء مجتمع متماسك وسليم ومعافى، فإن توسيع دائرة المشاركة وإجراء التعديلات اللازمة على لجنة السلم والمصالحات سيكونان خطوة في الاتجاه الصحيح. فالجزيرة اليوم ليست في حاجة إلى لجان توصف بالصفوية، وإنما إلى منصات جامعة تمثل كل مكوناتها، لأن السلام الحقيقي لا يصنعه طرف واحد، بل تصنعه إرادة الجميع.





