
الوقوف على الحافة من دون إدراك الواقع قد يؤدي للهلاك.. بل السقوط من أعلى القمة..
هنا نقف لبرهة لنتريث لنقرأ الواقع الذي نحن فيه الآن من دون “تغبيش للحقائق ”
كانوا هنا جلوساً يلفون أوراق التبغ واحدة بعد أخرى ..”نفس.. نفس” َيتبادلونها وأعينهم محمرة من كثرة الدخان الذي حجب الرؤيا في ذاك المكان.. أعواد البخور مثبتت على عليه صغيرة..
الديك الذي تعود على المكان يصيح بأعلى صوته وهو يحوم وسطهم.. حتى ” اتسطل”
ذاك أمسك بكيس التمباك ما بين إصبعيه ليحشر في فمه كرة التمباك وهو يقول لمن بجواره.. “أديك سفه”.. لتأتي الإجابة بصوت مسطول “والله ما شفتو”.. ليطلقوا ضحكاتهم يقهقهون بصوت عال.. زولكم خلاص سافر مع القمرة.. وشاف النجوم بالنهار.
ساعة بعد ساعة وهم على حالهم هذا.. غارقون في وهم العظمة.. ساقطون من أعلى القمة، وهم يظنون أنهم في القمة.
هذا ليس مشهداً من فيلم.. هذا مشهد حقيقي يتكرر كل يوم في أطراف المدينة، في بيوت مهجورة، وفي داخليات طلاب، وفي غرف مغلقة.. شباب في عمر الزهور يلفون مستقبلهم مع كل ورقة تبغ يلفونها لتلتف عقولهم معها.
قضية المخدرات في المدينة لم تعد (بنقو) يزرع في الخلاء.. اليوم نتحدث عن آيس.. عن حبوب.. عن سموم كيمائية تدخل عبر التهريب وتستهدف عقول أولادنا مباشرة.. حبة واحدة كفيلة بأن تجعل طالب الطب مسطولاً يبحث عن ديك سفه، وتجعل المهندس مجرد جسد مرمي على الحافة وأخرى أدخلت مستشفى الأمراض العقلية والنفسية، وتلك أنقذت محاولة الانتحار.
والأخطر.. أن المروج أصبح أذكى منا.. يبيع الوهم في شكل حلوى للأطفال، وفي شكل سجارة مجانية للمراهق.. أول سيجارة ببلاش.. والتانية بثمن مستقبلك كله.
أين دور الأسرة؟! الأب الذي لا يعرف أن ابنه لا ينام ليومين.. والأم التي تظن أن احمرار العيون من السهر والمذاكرة..
وأين دورنا نحن كصحافة ومجتمع؟! نرى ونسكت حتى يقع السقوط من أعلى.. وحين يقع.. نبكي ونقول: يا ريت.. وياريت..
التحية لمكافحة المخدرات بولاية الجزيرة وهي تضبط كل يوم كمية من المخدرات.. لكن المعركة ليست أمنية فقط.. المعركة توعية.. مساجد.. مدارس.. جامعات.. إعلام.. بيت.. كلنا مسؤولون قبل أن يسقط المزيد من الحافة.
المخدرات لا تقتل متعاطيها فقط.. هي تقتل أماً كانت تحلم بتخرج ابنها، وتقتل أباً أفنى عمره ليراه رجلاً.. من يلف ورقة التبغ”بنقو” اليوم، يلف معها كفن أحلامه.
” خمة نفس أخيرة”
جيش واحد.. شعب واحد.. ومجتمع نظيف واحد.





