راي

إن فوكس ــ نجيب عبدالرحيم najeebwm@hotmail.com ــ عندما تفقد الحكومة البوصلة ويتحول الجوار إلى ساحة مصالح! ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

يجلس السودان اليوم على فوهة بركان إقليمي محاطاً بسبع دول تشكل خريطة جغرافية معقدة مصر وليبيا من الشمال إريتريا وإثيوبيا من الشرق جنوب السودان من الجنوب وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى من الغرب لكن هذه الحدود التي رسمها الاستعمار بقلم رصاص على خرائطه لم تستطع يوماً أن تفصل بين القبائل والمصالح والتاريخ المشترك.
منذ أبريل 2023 تدور رحى معركة لا تقتصر على شوارع الخرطوم وأحيائها بل تمتد تأثيراتها لتصل إلى أقاصي الإقليم فالصراع الدائر بين الجيش وقوات الدعم السريع ليس مجرد مواجهة عسكرية داخلية بل هو معركة على الموارد والنفوذ تستقطب تحالفات إقليمية ودولية وتضع دول الجوار أمام اختبار حقيقي إما أن تكون جسوراً للسلام أو منصات لتصدير الأزمة.
فالخلافات على الأراضي والموارد التي تشكل عصب الصراع الداخلي لم تعد حكراً على السودانيين فالأسلحة التي تتدفق عبر الحدود غير الشرعية والمخدرات التي تعبر الصحراء والبوادي والجماعات المتطرفة التي تنشط في البيئة الراكدة ثقافياً وإجتماعياً تتغذى من الفراغ الأمني كلها تحولت إلى تهديدات عابرة للحدود تستوجب رداً إقليمياً موحداً لإجتثاثها.

يقف جيران السودان اليوم على مفترق طرق فمن جهة يمثل استقراره مصلحة أمن قومي مشتركة لا يمكن تجاهلها فلا يمكن لإثيوبيا أن تنام قرير العين والفوضى تمتد على حدودها الغربية ولا لمصر أن تطمئن إلى مستقبل مياه النيل وهي ترى سد النهضة يتصاعد والحرب تشتعل في جنوبه ولا لجنوب السودان الذي عانى طويلاً من الحروب الأهلية أن يستقر وهو يرى جاره الشمالي ينزلق إلى الهاوية.

ومن جهة أخرى تلعب التدخلات الخارجية والتحالفات الإقليمية دوراً محورياً في إعادة رسم موازين القوى داخل السودان فدعم أطراف داخلية من قبل فاعلين إقليميين لا يُعقد مسار التسوية فحسب بل يؤثر مباشرة على حركة التجارة الإقليمية وإمدادات الطاقة العالمية في وقت يعاني فيه العالم من تقلبات أسعار النفط وتأثيرات الحرب على خطوط الملاحة في البحر الأحمر.
فيما يعيش السودانيون كابوس الحرب اليومية تبدو حكومة بورتسودان وكأنها تعيش في كوكب آخر فالخطابات السياسية والتقارير الإعلامية الصادرة عن السلطة التنفيذية تبدو بعيدة كل البعد عن واقع الشارع حيث القصف والنزوح والمجاعة.
فقدت البوصلة هذه العبارة لا تكفي لوصف حال حكومة تتخذ قرارات ارتجالية غير مدروسة وتفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي الدقيق وتتسع فيها الفجوة بين تصريحات مسؤوليها الوردية وبين الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها السودانيون في الداخل والمهجر.
فالحرب العبثية كما يصفها المتابعون لم تقتل فقط الأرواح وتهدم البنية التحتية بل ألقت بظلالها السلبية على المشهد الاقتصادي والاجتماعي والأمني مخلقة حالة من الإرباك العام يصعب معها الحديث عن أي أفق للحل.
لكن في ظل هذا الظلام هناك بصيص أمل يتمثل في الترابط القبلي العابر للحدود فالقبائل السودانية التي تمتد أراضيها بين السودان ودول الجوار ليست مجرد كيانات اجتماعية بل هي شبكات اقتصادية وسياسية قوية تشكل قوة ضاربة في وجه محاولات التفتيت.
وعليه يقع على عاتق تحالف صمود وغيره من القوى الوطنية مسؤولية تاريخية تتمثل في صياغة رؤية وطنية موحدة تتجاوز الخلافات الداخلية وتستثمر في هذا الترابط القبلي لتقريب وجهات النظر مع دول الجوار وحل الأزمات العالقة التي تراكمت عقوداً بسبب الإهمال وغياب الرؤية.
وفي خضم هذا المشهد المظلم تظل ثورة ديسمبر 2018 حاضرة في الذاكرة الجمعية للشعب السوداني فهي ليست مجرد تاريخ في سجل الأحداث بل هي إرادة حية للحرية والكرامة والسلام لن يمحوها دخان البنادق هذه ليست مجرد عبارة رنانة بل هي إيمان عميق بأن الشعب الذي خرج بالملايين مطالباً بالحرية والسلام والعدالة لن يستسلم لمنطق السلاح فالثورة تعبير صادق عن ضمير الأمة السودانية وهي المنارة التي يجب أن تسترشد بها أي مساعٍ لإعادة بناء الدولة.
إن الخروج من الأزمة الراهنة لا يتطلب فقط وقف إطلاق النار بل يستدعي إعادة النظر كلياً في العلاقات مع دول الجوار فالسودان ليس جزيرة معزولة واستقراره ليس رفاهية بل هو شرط ضروري لأمن الإقليم بأسره.
ويتطلب ذلك من القوى الوطنية صياغة استراتيجية شاملة تضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبار وتستثمر في العلاقات التاريخية والقبلية المشتركة مع الجيران وتعمل على تحويل التهديدات العابرة للحدود إلى فرص للتعاون المشترك.
السلام لن يُهْدى على طبق من ذهب بل هو نتاج إرادة سياسية حقيقية وتعاون إقليمي بناء وإيمان راسخ بأن الشعوب هي صانعة التاريخ لا البنادق
في الظلال التي تلف السودان اليوم تبقى ثورة ديسمبر شاهدة على أن إرادة الشعوب أقوى من دخان المعارك وعلى قادة الإقليم أن يدركوا أن استقرار السودان ليس هدية يقدمونها لجارهم بل هو درع يحمون به أنفسهم من عواصف الفوضى التي لا تعرف الحدود.
لا للحرب… لا وألف لا لا .. نعم للسلام… لا لتقسيم السودان .. المجد والخلود للشهداء.
ولك الله يا وطني… فغداً، رغم كل شيء، ستشرق شمسك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى