راي

مرفأ الكلمات ــ عثمان عولي ــ مناوي ضد الجنجويد.. إذن نحن معك! ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

لا مكان للمليشيات في السودان القادم.. جيش واحد، وأمن واحد، وشرطة واحدة، ودولة يحكمها القانون والدستور
ليست القضية في السودان اليوم مجرد صراع على السلطة، ولا خلافاً بين قادة التشكيلات المسلحة حول مواقع النفوذ وتقاسم المسؤوليات، وإنما هي قضية دولة تبحث عن استعادة هيبتها، ووطن يسعى إلى تضميد جراحه، وشعب دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره وموارده ومستقبله بسبب تعدد مراكز القوة والسلاح خارج مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن حديث حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بشأن الترتيبات الأمنية ودمج القوات في مؤسسات الدولة النظامية، يفتح الباب أمام نقاش وطني مهم حول شكل السودان الذي نريد بناءه، والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها الدولة بعد الحرب.
فقد أكد مناوي، خلال مشاركته في الحفل السنوي الثالث لمركز المقرن للخدمات الصحفية، وفقاً لما أوردته صحيفة النيل الإلكترونية، أن الهدف هو تنفيذ الترتيبات الأمنية والانضمام إلى مؤسسات الدولة، بما يشمل القوات المسلحة والشرطة وجهاز الأمن، مشيراً إلى أنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم قوات دعم سريع أو جنجويد، وإنما يتطلعون إلى العمل تحت مظلة المؤسسات النظامية وفق الترتيبات المتفق عليها.
وهنا، لا بد من التمييز بين جوهر التصريح وما قد يحيط به من تأويلات سياسية أو محاولات لاجتزائه من سياقه. فالمبدأ الذي يستحق النقاش والتأييد الوطني هو أن يكون السلاح تحت سلطة الدولة، وأن تنتهي حالة تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة المستقلة عن مؤسساتها الدستورية.
نحن مع كل موقف يدعم بناء الدولة، ويضع السلاح تحت سلطة القانون، ويجعل الانتماء الوطني فوق الولاءات الضيقة.
السودان ليس بحاجة إلى نسخة جديدة من المأساة
لقد كشفت الحرب التي عاشها السودانيون عن خطورة وجود تشكيلات عسكرية موازية لمؤسسات الدولة، وعن الثمن الباهظ الذي يمكن أن يدفعه المواطن عندما تتعدد مراكز القيادة والقرار والسلاح.
ولم تكن الخسائر مجرد أرقام تُحصى في تقارير الأخبار، بل كانت بيوتاً هُدمت، وأسرًا تفرقت، ومدناً تغيرت ملامحها، ومؤسسات تعطلت، وملايين السودانيين وجدوا أنفسهم بين النزوح واللجوء وفقدان مصادر الرزق والأمان.
ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي أن تتعلمه الدولة السودانية هو ألا تسمح بإعادة إنتاج الظروف التي قادت إلى هذه المأساة، تحت أي مسمى أو مبرر، وألا تفتح الباب أمام كيانات مسلحة جديدة، سواء أكانت مرتبطة بأحزاب أو حركات أو جماعات أو شخصيات نافذة.
فلا يجوز أن نرفض تعدد الجيوش ثم نقبل بتعددها تحت أسماء أخرى، ولا أن نطالب بتوحيد المؤسسات ثم نترك تشكيلات مسلحة تحتفظ بقرارها المستقل وسلطتها الخاصة.
إن بناء السودان لا يحتمل حلولاً مؤقتة تُرحّل الأزمة إلى المستقبل، بل يحتاج إلى مشروع وطني واضح ينهي الازدواجية العسكرية والأمنية، ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم الدستورية والقانونية.
جيش واحد.. وأمن واحد.. وشرطة واحدة
إن الدولة التي نريدها لا تحتاج إلى شعارات كثيرة بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات واضحة الاختصاصات، تعمل وفق القانون، وتخضع للسلطة الدستورية، وتحظى بثقة المواطن.
الجيش جيش السودان، وليس جيش فئة أو قبيلة أو جهة جغرافية، ومهمته حماية الوطن وسيادته وحدوده والدفاع عن دستوره ونظامه الدستوري وفق القانون.
والشرطة شرطة السودان، ومهمتها حفظ الأمن الداخلي، وحماية المواطنين وممتلكاتهم، وإنفاذ القانون، وترسيخ العدالة وسيادة النظام.
وجهاز الأمن مؤسسة وطنية تعمل في حدود اختصاصاتها القانونية، لحماية أمن البلاد وصون استقرارها، مع الالتزام بالقانون والحقوق الدستورية للمواطنين.
أما أي قوات أو تشكيلات مسلحة أخرى، فلا بد أن تخضع لترتيبات قانونية وأمنية واضحة، تفضي إلى دمج المؤهلين منها في المؤسسات النظامية وفق معايير مهنية موحدة، أو تسريحهم وإعادة إدماجهم في المجتمع بحسب طبيعة كل حالة والترتيبات المعتمدة.
فلا امتيازات دائمة بسبب حمل السلاح، ولا شرعية لقوة موازية خارج الإطار الدستوري، ولا استثناء لأحد من القانون.
وهذا المبدأ لا يستهدف قبيلة أو إقليماً أو حركة بعينها، وإنما يحمي الجميع من العودة إلى دائرة الصراع، ويمنع احتكار القوة أو توظيفها لتحقيق مصالح سياسية وشخصية.
الجيش مؤسسة وطنية جامعة
من الأخطاء التي يجب ألا تتكرر أن يتحول الجيش إلى عنوان لفئة اجتماعية أو جهة جغرافية أو تيار سياسي. فالجيش الوطني الحقيقي هو الذي يجد فيه السودانيون جميعاً مؤسستهم الجامعة، ويثقون في أنه يحمي الوطن دون تمييز، ويؤدي واجباته المهنية بعيداً عن الانحيازات الضيقة.
ولذلك، فإن بناء القوات المسلحة وتطويرها يجب أن يقوم على المهنية والكفاءة والانضباط والتأهيل العسكري، وعلى وحدة القيادة والعقيدة العسكرية، مع احترام القانون والدستور.
كما أن حماية هذه المؤسسة من التسييس والتجاذبات الحزبية مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن حمايتها من التفكك والانقسام.
إن السودان لا يحتاج إلى جيش لكل جماعة، ولا إلى أمن لكل مركز نفوذ، ولا إلى شرطة تتعدد مرجعياتها؛ بل يحتاج إلى مؤسسات وطنية موحدة، يكون ولاؤها للدولة، وتكون مرجعيتها الدستور والقانون.
الترتيبات الأمنية ليست مجرد اتفاق على المناصب
إذا كانت تصريحات مناوي تؤكد الرغبة في الانضمام إلى مؤسسات الدولة النظامية، فإن الخطوة التالية يجب أن تكون ترجمة هذا المبدأ إلى إجراءات عملية، وفق اتفاقات واضحة وآليات تنفيذ قابلة للمتابعة والتقييم.
فالترتيبات الأمنية ليست مجرد إعلان سياسي، ولا عملية لتغيير المسميات أو توزيع الرتب والمناصب، وإنما مسار متكامل يشمل توحيد القيادة، والتدقيق في الأفراد، والتأهيل، والتدريب، وضبط السلاح، وتحديد الاختصاصات، وضمان الخضوع للمؤسسات الرسمية.
كما ينبغي أن تُنفذ هذه الترتيبات بشفافية وعدالة، بعيداً عن المحاصصات والمساومات التي قد تنتج تشكيلات جديدة داخل المؤسسات بدلاً من إنهاء ظاهرة التشكيلات الموازية.
والأهم أن يكون معيار الدمج هو الكفاءة والاستحقاق والالتزام بالقانون، لا الانتماء السياسي أو القبلي، حتى لا تتحول عملية بناء المؤسسات إلى باب جديد للصراع.
السودان القادم.. دولة مواطنة لا دولة قبائل وجهات
إن السودان الذي نطمح إليه هو وطن تتساوى فيه الحقوق والواجبات، ولا يكون فيه الانتماء القبلي أو الجهوي معياراً للفرص أو للسلطة أو للعدالة.
السودان القادم يجب أن يكون دولة المواطنة، حيث يتنافس السياسيون عبر البرامج والأفكار، ويصلون إلى السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وصناديق اقتراع تعكس الإرادة الحقيقية للشعب السوداني، وتُحترم فيها نتائج الانتخابات والقواعد الدستورية المنظمة لتداول السلطة.
فلا شرعية دائمة لحركة مسلحة لأنها حملت السلاح، ولا حق مكتسب في الحكم لقائد عسكري أو سياسي بسبب نفوذه، ولا يجوز أن تتحول القوة المسلحة إلى وسيلة لفرض الإرادة على المواطنين.
ومن حق كل سوداني أن يشارك في العمل السياسي، وأن يؤسس حزباً أو يدعم برنامجاً أو يترشح للمناصب العامة، متى التزم بالقانون، لكن الطريق إلى السلطة يجب أن يمر عبر المؤسسات الدستورية والإرادة الشعبية، لا عبر فوهات البنادق.
إن وحدة السودان لا تتحقق بإنكار تنوعه، بل بإدارة هذا التنوع بالعدل، وتوزيع الفرص على أساس الكفاءة والاستحقاق، وضمان المشاركة السياسية المتساوية، ومعالجة المظالم بالحوار والقانون والمؤسسات.
لا نريد سلاماً يؤجل الحرب
أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان أن تنتهي حرب اليوم لتبدأ حرب الغد، وأن نستبدل اسماً بآخر، ونغيّر الشعارات بينما تبقى الأسباب التي أنتجت المأساة قائمة.
لذلك، فإن رفض المليشيات يجب أن يكون موقفاً وطنياً ثابتاً، لا خطاباً موجهاً ضد طرف بعينه، ولا أداة لتصفية الحسابات السياسية، ولا وسيلة لاحتكار الوطنية أو تخوين المخالفين.
إن كل قوة تلتزم بالترتيبات الأمنية وتخضع للقانون وتندمج في مؤسسات الدولة وفق المعايير المهنية، يمكن أن تسهم في بناء الاستقرار، أما الاحتفاظ بكيانات عسكرية مستقلة عن سلطة الدولة، فهو باب ينبغي إغلاقه بصورة نهائية.
وفي الوقت نفسه، لا بد أن تسير عملية بناء المؤسسات جنباً إلى جنب مع العدالة والمساءلة وجبر الضرر وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، حتى يشعر المواطن بأن الدولة عادت لحمايته وخدمته، لا لمجرد استعادة سلطتها.
كلمة أخيرة
يا مناوي، ويا كل القوى السياسية والعسكرية والمدنية في السودان، إن المعيار الذي ينبغي أن نجتمع حوله ليس اسم القائد، ولا تاريخ الحركة، ولا حجم القوة التي تمتلكها، وإنما الموقف من بناء الدولة وسيادة القانون ووحدة المؤسسات الوطنية.
فإذا كان حديث مناوي، كما نقلته النيل الإلكترونية، يتجه نحو إنهاء التعدد العسكري والاندماج في مؤسسات الدولة، فإن هذا هو جوهر القضية التي ينبغي أن تتوافق عليها القوى الوطنية، وأن تتحول من التصريحات إلى خطوات عملية واضحة.
نحن مع السودان الذي لا تعلو فيه راية فوق راية الوطن، ولا سلطة فوق سلطة القانون، ولا سلاح خارج مؤسسات الدولة، ولا مواطن فيه أقل حقاً من مواطن بسبب قبيلته أو إقليمه أو انتمائه.
نريد جيشاً واحداً يحمي الوطن، وشرطة واحدة تحمي المواطن، وجهاز أمن يعمل وفق القانون، ودولة تحكمها المؤسسات لا الأفراد، ويختار شعبها حكامه عبر صناديق الاقتراع.
ذلك هو السودان الذي يستحقه أبناؤه بعد كل هذه التضحيات؛ سودان لا تُصنع فيه السلطة بالبندقية، ولا تُحمى فيه المصالح بالمليشيات، بل تُبنى فيه الدولة بالمواطنة والعدالة وسيادة القانون.
فالسودان أكبر من الأشخاص، وأبقى من الحركات، وأعظم من كل السلاح.. والوطن لا يُبنى إلا بدولة واحدة ومؤسسات وطنية جامعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى