د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي يكتب .. منهاج النبوات في تحسين وتقوية الاقتصاد ــ ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} ــ بعانخي برس
بعانخي برس

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
يمر السودان بأزمة اقتصادية تستدعي أكثر من المعالجات المؤقتة؛ فهي تحتاج إلى منهج متكامل في إدارة المال والموارد والإنتاج، ويمكن أن نجد أصول هذا المنهج في القرآن والسنة.
قال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. وفي هذه الآية قاعدة أساسية للحكم الاقتصادي الرشيد: الأمانة مع الكفاءة؛ فحفظ المال وحده لا يكفي، والعلم وحده لا يكفي، وإنما لا بد من اجتماع «الحفيظ العليم».
ومن هنا يبدأ الإصلاح الاقتصادي في السودان باختيار الكفاءات الوطنية الأمينة، وإبعاد المحاصصة والترضيات عن إدارة الاقتصاد، وربط المسؤولية بالمحاسبة والإنجاز.
التعاون قوة اقتصادية
ومن أروع النماذج النبوية في مواجهة الأزمات ما فعله الأشعريون، فقد قال النبي ﷺ:
«إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» متفق عليه.
إنها فلسفة اقتصادية واجتماعية عظيمة: جمع الموارد الصغيرة، وتنظيمها، وتقاسم الحاجة بالعدل.
ويمكن تطبيق ذلك اليوم من خلال الجمعيات التعاونية وصناديق الاستثمار المجتمعي؛ فلو اجتمع مئات أو آلاف المواطنين وساهم كل واحد بمبلغ يستطيع عليه، أمكن إنشاء مشروعات زراعية وصناعية وتجارية، وتحويل المدخرات الصغيرة إلى رؤوس أموال منتجة.
من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج
السودان لا يفتقر إلى الموارد، وإنما يحتاج إلى حسن إدارتها. فلدينا الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن والمحاصيل والموقع الجغرافي، ولذلك ينبغي أن تكون الأولوية للإنتاج والتصنيع والصادرات.
لا يكفي أن نصدر القطن والسمسم والفول السوداني والماشية والذهب خاماً؛ بل يجب أن نعمل على تصنيعها وزيادة قيمتها داخل السودان، حتى تتحول الموارد إلى مصانع وفرص عمل وعملة صعبة.
كما يجب دعم الزراعة الحديثة، وتطوير الري، وتخزين المحاصيل، وإنشاء الصناعات الغذائية، وتنظيم قطاع الثروة الحيوانية، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي المنتج.
الزكاة والوقف.. اقتصاد التكافل
ومن أدوات النهوض الاقتصادي التي يملكها المجتمع السوداني الزكاة والوقف والتكافل.
فالزكاة ينبغي أن تُدار بصورة مؤسسية شفافة، ولا تقتصر على سد الحاجة الآنية، بل يمكن ـ في إطار مصارفها الشرعية ـ أن تسهم في تمكين المستحقين القادرين على العمل من وسائل الإنتاج.
كما أن إحياء الوقف الإنتاجي، في الزراعة والتجارة والتعليم والصحة، يمكن أن يوفر مورداً مستداماً للمجتمع ويخفف العبء عن الدولة.
محاربة الاحتكار والتهريب والفساد
لا يمكن أن ينهض الاقتصاد مع الاحتكار وتهريب الذهب والعملات والسلع والفساد الإداري.
قال النبي ﷺ: «من احتكر فهو خاطئ» رواه مسلم.
ومن ثم فإن ضبط الأسواق، ومحاربة الاحتكار، وتشديد الرقابة على المنافذ، ورقمنة الإجراءات المالية، وإحكام ولاية الدولة على مواردها، ومراجعة العقود الحكومية، ومحاسبة المعتدين على المال العام؛ كلها شروط أساسية لاستعادة الثقة وبناء اقتصاد قوي.
السودان يحتاج إلى خطة لا إلى حلول مؤقتة
إن المخرج الحقيقي يبدأ بخطة وطنية واضحة:
إيقاف الهدر والتهريب، ثم استقرار الأسواق، ودعم الإنتاج، وتشجيع الاستثمار، والتصنيع، وزيادة الصادرات، وبناء الاحتياطي النقدي، وتحسين قيمة العملة.
وتكون الأولوية للقطاعات التي يمتلك السودان فيها ميزات حقيقية: الزراعة، الثروة الحيوانية، التعدين المنضبط، الصناعات الغذائية، الصمغ العربي، والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.
إن الخروج من الأزمة الاقتصادية ليس معجزة، وإنما هو إدارة صحيحة للموارد، واختيار للكفاءات، وتعاون بين الدولة والمجتمع، وانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج.
وقد جمع القرآن هذه المعاني في كلمة واحدة: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾؛ أمانة تحفظ المال، وعلم يحسن إدارته.
فإذا اجتمعت الدولة القوية الأمينة مع المجتمع المتعاون المنتج، وأُديرت موارد السودان بالعلم والنزاهة، فإن هذا البلد قادر بإذن الله على أن ينتقل من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد القوة والإنتاج.
فالسودان لا يحتاج إلى كثرة الشعارات، بقدر حاجته إلى رجال «حفيظين عليمين»، وشعب متعاون، وموارد تُدار بأمانة، وخطة اقتصادية وطنية تستمر مهما تغيرت الحكومات.
ومن أراد الاستزادة، فليرجع إلى كتابنا: «رؤية مستقبلية لحكم ناجح في السودان».




