
*شاهيناز القرشي*
المتابع لمقالاتي سيتذكر مقالًا سابقًا بعنوان: (هل ستحارب الحركات المسلحة الجيش؟ معركة الفناء والغباء)، وفيه توقعت أن المشتركة، بشكلها الحالي، لا تستطيع التمرد لعدة أسباب، منها ارتباط تمويلها بالجيش، وفقدانها لمناطقها التقليدية والقبلية التي يسيطر عليها الدعم السريع. وهنا أريد أن أقول إن المشتركة، أو جزءًا منها، على وشك التمرد بشكل مختلف وعلى أسس مختلفة.
هنالك *جزءًا من المشتركة* يزرع بذور التمرد في بيئة جديدة ليعوض مافقد ويصنع خيارات بديلة، حيث يبث خطابات عنصرية مستهدفًا جنود الجيش من عنصر معين، عبر نشطاء يدّعون مناصرة الجيش. هذا الخطاب يهيئ الأرضية لانقسام قبلي ومناطقي وعنصري داخل الجيش لصالح *جزء* محدد وواضح للعيان من المشتركة. ويساعد في ذلك نشطاء دولة النهر والبحر المتخيلة.
ويظن الطرفان أن هذا التمرد سيلعب لصالحهما؛ إذ يريد *جزء من المشتركة* أن يصنع تمردًا واسعًا داخل الجيش لينضم الجنود المستهدفون تحت قيادة رئيس ذلك *الجزء من المشتركة*. راقبوا بثوث أعلى الأصوات مناصرةً للجيش والمشتركة، والأوسع انتشارًا، وستجدونها تبث الفكرة وتشرحها وتثبتها وتهدد بها: (تمرد الجيش ما بعيد، الجيش حيخالف أوامر يا برهان، أولادنا في الجيش لازم يتحركوا، قيادات الجيش خانت دم الشهداء).
أما خطاب الجانب الآخر، دولة النهر والبحر، فيحمل الأفكار نفسها بلغة مختلفة؛ إذ يتحداهم أن يتمردوا، ويعتبرهم أقل شأنًا وإنسانية وذكاءً. هذا ليس خطابًا عاطفيًا بريئًا، بل هو خطاب الحرب الشاملة الذي يأمل من خلاله *جزء من المشتركة* تحقيق السيطرة المطلقة على الحكم وعلى السودان كله، أو صناعة فوضى شاملة.
فخروج دارفور من تحت سيطرة الجيش والمشتركة يهدد نفوذهم وأسباب بقائهم في السلطة وتمتعهم بالثروة، وهذا أمر غير مقبول بالنسبة لهم، ودونه خرط القتاد. فإما أن يستمر الجيش، ومعه السودان كله، في الحرب، ويكون ذلك مبررًا لاحتفاظهم بمناصبهم ومكاسبهم، أو أنهم سيسعون إلى إشعال الحرب في كل السودان عبر الاستقطاب العنصري. وهذه هي الطريقة التي ستخرجهم من معضلة فقدان اسباب وصولهم للمناصب وفقدان الأرض التقليدية لتحركاتهم.
أما الجانب الآخر الذي يغذي هذا الخطاب، فهم نشطاء النهر والبحر، آملين أن يقودهم ذلك إلى الانفصال.
وهنا يأتي السؤال: من الذي سيدفع ثمن أحلام *جزء المشتركة* والانفصاليين؟
إن فاتورة الدم والدمار سيدفعها الشعب السوداني، الذي سيعيش حربًا لا يعرف فيها من معه ومن ضده، وسينقلب عليه الجنود الذين كانوا يهلل لهم بالأمس، وستكون الكلمة والسحنة مسوغًا للقتل. وقبل أن تنطق، عليك أن تحدد إلى من انضم جندي الجيش الذي تعرفه ويعرفك، لأن الكلمة التي تقولها ربما تعقبها الرصاصة التي لن تسمعها، ولن تحكي عنها.
وعلى الفاعلين في هذا الاتجاه أن يعلموا أن الحرب تصنع مساراتها الخاصة، ومهما اعتقدت أنك مسيطر وقادر على توجيه مسارها، فاعلم أنك محدود التفكير، وأنك لم تتعلم من التجارب التي عشناها ويعيشها العالم.
يتحرك *جزء المشتركة* بسرعة، ويصعّد في الخطاب العنصري، تخوفًا من حدوث اتفاق سلام يجعل الأمور تستقر على ما هي عليه عسكريًا، ويذهب الناس إلى تفاوض سيدخل فيه الكثير من المنافسين على المناصب، والمستحقين لها بالقدر نفسه من استحقاق المشتركة. وهذا ليس في صالح من نالوا المناصب وحاربوا من أجل الاحتفاظ بها.
وبعد أن تمكنوا، وساروا على خطى الكيزان، لن يفرطوا في منصب واحد لصالح قوى سياسية أو عسكرية أخرى ستدخل للمشهد والمشتركة في اضعف حالتها وتعيش حالة( عمدة بلا اطيان). لذلك يثبتون فكرة أنهم حرروا الخرطوم والجزيرة، وأنهم وحدهم من يقاتل، وأن التفاوض الآن خيانة لهم ولمناطقهم، ولمناطق الجنود بالطبع.
بشّر من صنعوا الحرب وأيدوها بأن صنيعتهم، المشتركة، في طريقها إلى الانقسام على نفسها والانفلات من عقال الجيش، وأن هذا *الجزء* سيذيقهم الأمرّين إذا نجح في تقسيم الجيش.
الحرب التي لم تبدأ بعد، أسأل الله ألّا تبدأ.





