*مدير إدارة الكهرباء والطاقة الشمسية بوزارة التخطيط العمراني والإسكان ولاية الجزيرة الباشمهندس أحمد النعيم* ــ *نعيد بناء الشبكة رغم الدمار… والاستقرار هدفنا القادم* ــ بعانخي برس
بعانخي برس

*مدير إدارة الكهرباء والطاقة الشمسية بوزارة التخطيط العمراني والإسكان ولاية الجزيرة الباشمهندس أحمد النعيم* :
*نعيد بناء الشبكة رغم الدمار… والاستقرار هدفنا القادم*
*م. أحمد النعيم: معركة إعادة الكهرباء أصعب من التدمير… ونمضي بثبات نحو الاستقرار*
*إعادة التيار لم تكن عملاً فنياً فحسب، بل معركة لإحياء البنية التحتية والخدمات الأساسية*
*توطئة*
*شكّلت الحرب التي شهدتها ولاية الجزيرة على مدى عامٍ كامل واحدة من أقسى الفترات التي مرت بها الولاية، بعد أن خلّفت مليشيا الدعم السريع دماراً واسعاً وممنهجاً طال البنية التحتية والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه وقطاعات الصحة والتعليم. وأسفر هذا الواقع عن نزوح أعداد كبيرة من المواطنين، نتيجة الانقطاع شبه الكامل للخدمات الحيوية وتوقف مرافق الحياة اليومية.*
*وفي ظل هذه التحديات، برز قطاع الكهرباء كأحد أهم محاور التعافي وإعادة الاستقرار،* *لما له من ارتباط مباشر باستمرار الخدمات الأخرى. ومن هذا المنطلق، أجرينا هذا الحوار مع* *الباشمهندس أحمد النعيم، مدير إدارة الكهرباء والطاقة الشمسية بوزارة التخطيط العمراني والإسكان بولاية الجزيرة، للوقوف على حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع، والجهود التي بُذلت خلال مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب الخطط الموضوعة لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في الإمداد الكهربائي خلال الفترة المقبلة*

*حاوره : ميادة إبراهيم بابكر*
*بدايةً، كيف تصفون حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء خلال فترة الحرب؟*
ــ يمكن القول إن قطاع الكهرباء بولاية الجزيرة تعرّض لدمار ممنهج وواسع النطاق استمر قرابة عام كامل، نتيجة اعتداءات مليشيا الدعم السريع، حيث تم إتلاف معظم خطوط الكهرباء، وسرقة وتدمير غالبية المحولات والكِيبلات وأسلاك الشبكات. هذا الخراب أدّى إلى انقطاع شامل للتيار الكهربائي عن معظم مدن وقرى الولاية، وانعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين والخدمات الحيوية، خاصة قطاعي المياه والصحة.
وكان حجم الضرر الأكبر في المحطات التحويلية والرئيسية، مثل محطة مارنجان، ومحطة الحاج عبدالله، ومحطة الحصاحيصا، إضافة إلى تدمير المحطات التوزيعية في مدني شرق، مدني غرب، الملكية، ودالمهيدي، ومحطات المسلمية والباقير والكاملين، حيث تعرّضت الكوابل للنهب وتم تفريغ زيوت المحولات بالكامل.
*ما أولويات وزارة التخطيط العمراني في التعامل مع هذا الوضع الاستثنائي؟*
ــ منذ الأيام الأولى، وضعت وزارة التخطيط العمراني ولاية الجزيرة البنية التحتية والخدمات الأساسية في مقدمة أولوياتها، باعتبار أن الكهرباء والمياه تمثلان الأساس لاستقرار الحياة وعودة المواطنين. وتركّز العمل على إعادة تأهيل شبكات الكهرباء، وتركيب محولات جديدة، ومعالجة الأعمدة والأسلاك المتضررة، بالتوازي مع تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل محطات المياه.
شهدت المرحلة استنفاراً كاملاً للعاملين بالإدارة، إلى جانب تنسيق محكم مع هيئة مياه الولاية. كما بذلت حكومة الولاية، ممثلة في السيد والي ولاية الجزيرة ووزارة المالية، جهوداً كبيرة في توفير زيوت المحولات للمرافق الصحية والمؤسسات الحكومية، ودعم عمليات إعادة التأهيل الفني.
*ما أبرز التدخلات التي نفذتها إدارة الكهرباء والطاقة الشمسية على الأرض؟*
ــ نفّذت الإدارة تدخلات إسعافية عاجلة شملت توريد وتركيب محولات جديدة، وصيانة شبكات التوزيع، وإعادة مدّ الأسلاك والكِيبلات، إلى جانب توفير المواد الكهربائية الأساسية. وفي ظل تعقيدات إعادة تشغيل الشبكة التقليدية، اتجهنا بقوة إلى إدخال أنظمة الطاقة الشمسية كحل عملي ومستدام.
وخلال فترة وجيزة، تم تركيب (109) محطة طاقة شمسية بمدينة ود مدني خلال أسبوعين فقط، ثم توسع العمل ليشمل المحليات والقرى، حيث أنجزنا حتى الآن أكثر من (3,000) مشروع للطاقة الشمسية، بالتعاون مع حكومة الولاية ووزارة التخطيط العمراني.
*ما الدور الذي لعبته الطاقة الشمسية في مرحلة ما بعد الحرب؟*
ــ لعبت الطاقة الشمسية دوراً محورياً وحاسماً، خاصة في تشغيل محطات المياه التي لا تحتمل التوقف. وأسهم هذا التوجه في ضمان استمرارية الإمداد المائي، وتخفيف الضغط على الشبكة القومية، وفتح آفاق جديدة للاعتماد على الطاقة البديلة.
وتُعد ولاية الجزيرة من أوائل الولايات في السودان التي طبّقت أنظمة الطاقة الشمسية على نطاق واسع، حيث تم تركيب أكثر من (2,600) محطة طاقة شمسية من جملة (3,600) مصدر مياه بالولاية. كما تم تطوير أنظمة الطاقة الاحتياطية بالمستشفيات، وأصبحت عدة مستشفيات ومراكز غسيل الكُلى تعمل بالطاقة الشمسية على مدار الساعة، إضافة إلى البدء في تحويل إنارة الطرق داخل مدينة ود مدني إلى الطاقة الشمسية.
*اشتكى المواطنون من قطوعات متكررة للكهرباء، كيف أثّرت هذه القطوعات على حياتهم؟*
ــ لا شك أن قطوعات الكهرباء أثّرت بصورة مباشرة على حياة المواطنين اليومية، سواء في المنازل أو المرافق الخدمية والإنتاجية، وتسببت في معاناة حقيقية ندركها تماماً. ونؤكد أن ملف القطوعات من أولوياتنا، رغم أن مسؤولية التوزيع والتحكم الآلي تقع ضمن اختصاص الشركة السودانية للكهرباء، حيث لا تزال أنظمة التحكم الآلي خارج الخدمة، مما يؤدي إلى حدوث حالات إطفاء عام متكررة.
*ما الأسباب الرئيسية لاستمرار القطوعات رغم الجهود المبذولة؟*
ــ تعود الأسباب إلى حجم الدمار الكبير الذي طال الشبكات والمحطات، إضافة إلى استمرار التهديدات الأمنية، حيث ما زالت بعض المحطات الرئيسية عرضة للاستهداف بالطائرات المسيرة من قبل مليشيا المرتزقة ، ما يفرض أحياناً إيقاف الخدمة احترازياً حفاظاً على الأرواح والمعدات. كما أن إعادة بناء شبكة كهرباء بهذا الحجم تحتاج إلى وقت وموارد مالية وفنية كبيرة.
*هل يمكن للمواطنين توقع استقرار الكهرباء خلال الفترة المقبلة؟*
ــ نعمل وفق خطط فنية مرحلية تهدف إلى تحسين الاستقرار وتقليل القطوعات إلى أدنى حد ممكن، وقد تحقق بالفعل تحسّن ملحوظ مقارنة بالفترات السابقة. غير أن الاستقرار الكامل يظل مرهوناً بتحسن الأوضاع الأمنية واستكمال إعادة تأهيل الشبكات والمحطات، وسوف نبذل بصاري جهدنا حتى تعود الحياة كما كانت قبل الحرب ويعود كل النازحين الي ديارهم .
*كيف تتم عملية توزيع المحولات على القرى والمدن في ولاية واسعة ومترامية الأطراف؟*
ــ نعتمد في توزيع المحولات على خطة فنية مدروسة تقوم على ترتيب الأولويات، حيث نبدأ بالمرافق الحيوية مثل محطات المياه والمستشفيات، ثم مراكز المدن ذات الكثافة السكانية، تليها القرى والمناطق الطرفية. ويتم ذلك عبر مسوحات ميدانية دقيقة وبالتنسيق مع المحليات، مع مراعاة الجاهزية الفنية للشبكات.
*ما دور إدارتكم في دعم قطاع المياه؟*
ــ دورنا في قطاع المياه محوري وأساسي، فاستقرار الإمداد المائي يعتمد كلياً على توفر الطاقة. نعمل بتنسيق كامل مع هيئة مياه الولاية، حيث تقوم الهيئة بتحديد الاحتياجات والأولويات، بينما تتولى إدارتنا إعداد الدراسات والتصاميم وتنفيذ أنظمة الطاقة، سواء عبر الشبكة العامة أو الطاقة الشمسية، بهدف ضمان عدم توقف الخدمة عن المواطنين.
*هل كان هناك جهد شعبي داعم لقطاع الكهرباء؟*
ــ نعم، كان للجهد الشعبي دور مقدّر ومهم، حيث أسهمت لجان الأحياء والمبادرات المجتمعية في تسهيل أعمال الصيانة، وتأمين مواقع العمل، وتقديم الدعم اللوجستي، مما ساعد في تسريع إعادة التيار ببعض المناطق. ونثمّن هذه الروح الوطنية ونسعى دائماً لتعزيز الشراكة مع المجتمع.
*ما أبرز إنجازات إدارتكم خلال العام 2025م؟*
ــ كان عام 2025م عاماً استثنائياً بكل المقاييس، حيث سادت حالة طوارئ استدعت عملاً إسعافياً عاجلاً دون موازنات تقليدية، لمواجهة الدمار الكبير الذي طال البنية التحتية. وتمكّنا خلال هذه الفترة من إعادة تشغيل عدد كبير من محطات المياه بالطاقة الشمسية، وإرجاع خدمة الكهرباء تدريجياً بعد عام كامل من الإنقطاع والحرب التي كانت سببا في الدمار ، وتشغيل معظم المستشفيات ومراكز غسيل الكُلى بأنظمة طاقة متطورة، خاصة في المناقل ومدني والحصاحيصا وود النعيم.
*ما أكبر تحدٍّ واجه إدارتكم هذا العام؟*
ــ تمثّل أكبر تحدٍّ في إعادة تشغيل شبكة مدمّرة شبه كاملة، في ظل نقص المحولات وقطع الغيار ، واستمرار التهديدات الأمنية، واتساع رقعة الولاية. ورغم ذلك، واصلنا العمل بإصرار، مع ترتيب الأولويات وتوسيع الاعتماد على الحلول البديلة.
*ما ملامح خطتكم للعام 2026م؟*
ــ تركز خطة العام 2026م على استكمال مشاريع المياه، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء بالمحليات، وزيادة عدد المحولات، والتوسع في استخدام الطاقة الشمسية، خاصة في القطاع الصحي والمرافق الخدمية، إلى جانب تعميم إنارة الطرق بالطاقة الشمسية داخل مدني ثم بقية الولاية، وتحسين كفاءة الشبكات والصيانة الدورية.
*ماذا عن القطاع الصناعي الذي تضرر بشدة خلال الحرب؟*
ــ شكّلنا لجنة مشتركة مع وزارة المالية وإدارة الاستثمار، ضمت مهندسين من الكهرباء والمباني، لحصر الأضرار التي لحقت بالمصانع. وتمت زيارة أكثر من (50) مصنعاً بمناطق الباقير ومارنجان الصناعية، حيث كان الضرر كبيراً في الأعمدة والمحولات والأسلاك والمولدات وغرف التحكم. وقد عاد عدد كبير من المستثمرين لمباشرة أعمالهم، مدعومين بقرارات الإعفاء الجمركي التي أصدرتها الحكومة لتسهيل استيراد احتياجات الصيانة وإعادة التشغيل.
*كلمة أخيرة تودّون توجيهها للمواطنين؟*
ــ نؤكد لمواطني ولاية الجزيرة أن إدارة الكهرباء والطاقة الشمسية، بدعم كامل من وزارة التخطيط العمراني وحكومة الولاية، تعمل بكل إمكانياتها لإعادة التيار وتحسين جودة الخدمة. صبر المواطنين وتعاونهم كان عاملاً أساسياً في تجاوز هذه المرحلة، ونتطلع معاً إلى مرحلة أكثر استقراراً وتنمية، ونتوقع اكتمال تركيب المحولات في معظم قرى ومدن الولاية خلال الربع الأول من العام المقبل بإذن الله.
ــ ختاماً، يؤكد المهندس أحمد النعيم أن ما تحقق في قطاع الكهرباء والطاقة الشمسية بولاية الجزيرة جاء ثمرة لعمل جماعي وتنسيق مؤسسي وجهد شعبي مقدّر، رغم حجم الدمار والتحديات الأمنية. ويشير إلى أن المرحلة المقبلة ستركّز على تعزيز الاستقرار وتقليل القطوعات، واستكمال مشاريع إعادة التأهيل، بما يضمن عودة الخدمات الأساسية وتحقيق تعافٍ مستدام يخدم مواطن ولاية الجزيرة .




