راي

*شاهيناز القرشي تكتب ..* ــ*ترامب قصد إيصال العالم إلى هنا* ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

*شاهيناز القرشي*

يتحدث أغلب المحللين، اعتمادًا على مقالات في مواقع مهمة وتغريدات لمسؤولين أمريكيين، عن عدم توقع ترامب لرد فعل إيران، وأنه لم يتوقع أن تهاجم دول الخليج.

بالنسبة لي، هذا يندرج تحت سذاجة المعقول والاستسلام للمتوقع، والافتراض الذي يجب أن يحدث وفق الطرق العلمية، بينما ما فعله ترامب يندرج تحت بند: افعل ما تريد، وما سيحدث لاحقًا لن يكون مشكلتك وحدك.

بمعنى أن ترامب جعل إيران مشكلة العالم كله بعد أن كانت مشكلة لإسرائيل في المقام الأول، ولحليفتها الأبرز أمريكا. هل هذا تفكير ترامب ونتنياهو وحدهما؟ بالتأكيد (لا)، فهذا قرار مؤسسات، على عكس ما يُصدَّر لنا عن تجاوز ترامب للمؤسسية وتورطه في نتائج الحرب. فالحرب الدائرة، وبكل التحركات الضخمة التي سبقتها، لا يمكن أن تكون بدون دراسات متعمقة وعالمة بكل النتائج والافتراضات. وافتراض أن المؤسسات الأمريكية ظلت متفرجة طوال الأشهر التي نقل فيها ترامب ترسانة عسكرية بهذا الحجم هو افتراض ساذج.

ويأتي السؤال: لماذا؟

إذا نظرنا إلى كل الخلافات بين إيران والخليج، فهي خلافات قابلة للحل، طال الزمن أم قصر، وبالفعل رأينا الكثير من التهدئة والتفاوض. ولكن تتمثل المشكلة الإسرائيلية في وجود نظام الملالي وتركيبة الدولة القادرة على تهديدها عسكريًا، وهي دولة يمكن أن نطلق عليها (مستبيعة)، وتجعل من العداء لإسرائيل أحد أسباب وجودها ومبررًا لكثير من تصرفاتها، على رأسها تكوين ودعم المليشيات في المنطقة.

والنظام الإيراني، على غرار النظم الدينية، يجعل رفاهية الشعب وتحديث الدولة والحرص على العلاقات الجيدة بالعالم من آخر أولوياته، على عكس النظم الديمقراطية أو حتى الملكية، بينما يجعل تجييش الشعب وربطه بالقضية الفلسطينية أولوية. لذلك هم قادرون على التضحية بكل شيء داخل البلاد تحت مسمى نصرة الدين والقضية الفلسطينية، كما فعلت الإنقاذ في السودان. وستجد في النهاية أن هذه الدولة تخسر أكثر مما تخسر فلسطين نفسها.

الآن أصبحت مشكلة مضيق هرمز مشكلة للخليج كله، ولأغلب دول آسيا التي تعتمد على النفط الخليجي، وهي في طريقها لتصبح مشكلة عالمية مباشرة تؤثر على كل لقمة تدخل إلى بطن أحدهم. إذ يعتمد على النفط الكثير من الصناعات الغذائية، ابتداءً من الزراعة والنقل والتصنيع والكهرباء. بمعنى أن إيقاف النفط عن دول آسيوية زراعية وصناعية، على رأسها الصين والهند وإندونيسيا وكوريا واليابان، سيؤثر على مدخلات الإنتاج الزراعي كالأسمدة، والمحروقات التي تستخدم لتشغيل الآليات ونقل المحاصيل. ونتيجة لذلك سيتأثر الإنتاج الصناعي، وترتفع التكاليف، ويتقلص الإنتاج الزراعي العالمي، مما يتسبب في تقطيع سلاسل التوريد.

إيران أصبحت مشكلة العالم كله، الذي يعاني بشكل مسبق من نقص الغذاء وارتفاع أسعاره. إذن على العالم كله التحرك لحل هذه الأزمة، والحل سيكون بموافقة أمريكا. وفي الغالب سيحصل ترامب على تحالف الضرورة دون أن يبذل الكثير من الجهد في إقناع هذه الدول بتقديم كل إمكانياتها العسكرية والمالية لحل أزمة فجّرها ترامب في وجهها.

ربما حتى الدول الحليفة لإيران، مثل الصين، سترى في ذهاب النظام الإيراني وعودة انسياب النفط وزوال التهديد عن المضيق مصلحة لها أكبر من استمرار حلفها مع إيران. بالتأكيد هناك حل آخر، وهو إيقاف الحرب، ويظل وضع إيران الداخلي كما هو، وتقتنع أمريكا بما وصلت إليه. ولكن إذا نظرنا إلى الخسائر الأمريكية والإسرائيلية المباشرة من هذه الحرب، سنجد أنها لا تجبرهما على تقديم هذا التنازل، فكل هذه الخسائر قابلة للتعويض، ولكن استمرار النظام الإيراني يعني أن كل هذه الخسائر ذهبت هباءً منثورًا.

فهل سترضى أمريكا بالهباء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى