راي

حرف ومعنى ــ منى حمزة ــ (أم جركم ما بتأكل خريفين) ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

هذه من مقولات جدي لأمي التي استشهد بها في كتاباتي!! أم جركم هي الجرادة، إحدى القوارض والآفات الزراعية، وتسمى بالعامية السودانية “قبورة”، وتسمى أيضا “أم جركم” في لهجات غرب السودان، وهي حشرة تنتهي دورة حياتها في عام واحد، أي إنها تعيش خريفاً واحداً وتموت.

والمعنى المقصود من المثل “أم جركم ما بتأكل خريفين” أي إن الإنسان لا يعيش تفاصيل جيله ومراحله العمرية مرتين؛ حيث تمر دورة حياته بالطفولة والصبا والشباب والشيخوخة، ولا يمكن أن يعود الشباب يوماً ليخبره بما فعل المشيب!

ولا يمكن أن نعيش حياتنا وحياة أولادنا ولا حياة أحفادنا كما يعيشونها هم!

فإذا قارنّا بأحداث مناظرة أو مقارنة مع جيل الستينات والسبعينات، وهذا الجيل جيل الألفية الثالثة الذي يكون البعض منهم بمثابة الأجداد أو الآباء، تكون مجريات الذكريات كالآتي:

ذلك الجيل الذي عاش في النواحي الاجتماعية والثقافية والرياضية أحداثاً ينظر لها هذا الجيل بتعجب ودهشة.

ذلك الجيل الذي تناول الوجبات الجاهزة الشهية من أبو ظريفة والفول المصلح عند كشك وسمك حسن جاد الله، أحفاده الآن يتناولون وجباتهم “الدليفري” من سامي للأسماك وبيتزا أوو وصبة للفتة وجنينة الأسماك ومنقة وبس وشواية ميكو وشواية أولاد أم درمان.

ذلك الجيل الذي أكل الباسطة من بساس وحلويات سلا، أحفاده يأكلون الباسطة من حلويات بيتنا والكيك من مصانع فتح المجيد والبسكويت من مصنع بركة.

الجيل الذي أكل أسكريم لولي البيجييو من الخرطوم الليلة، أحفاده وأولاده بياكلون الأسكريم من ريم أسكريم ومن أسكريم سعدابي.

الجيل الذي أكل طعمية شارع المحطة الليلة، أولاده وأحفاده بياكلون الطعمية بالفطيرة والكاتشاب.

الجيل الذي أكل محدقات الحبوبات في المدارس: العرديب بالشطة والقنقليز بالشطة وأبو رجيلة والطورشي والمندكوه والتابوت وأكل النبق والدوم والدليب، اليوم أحفاده بياكلون الشوكولاتة والشبس والفنكوش والفيشار والقرمش والإندومي.

الجيل الذي كان بشرب الليمونادة، اليوم أحفاده بشربون الشامبيون والفيمتو والكينزا.

الجيل الذي كان يتعالج في المركز الصحي لكل أنواع الأمراض وكل التخصصات في مركز القبة ودكتور أحمد الأشول ومركز الدباغة ودكتور عبد الله أبو حراز، وديل في الحقيقة مساعدين طبيين لكن يمتلكون خبرات هائلة في كل التخصصات، ذاك الجيل أحفاده وأولاده اليوم أصحاب عيادات يمتلئ بها شارع عُرِف باسم شارع الدكاترة، وأصحاب معامل طبية تفوق عدد المرضى!! وأصحاب صيدليات بها أطباء يعطون المرضى الإنسانية والطمأنينة قبل الدواء، أمثال عمر الخير وأشرف الشهيدين وزين البشرى.

الجيل الذي ركب في المواصلات الداخلية لأم المدائن (مدني): باصات جلالين والبرينسة والكنتر، أحفاده وأولاده اليوم يركبون الأمجاد والرقشة والعربات الخاصة بمختلف مسمياتها، والتي تسير في الشوارع أكثر من عدد المارة. ذاك الجيل نفسه في السفريات الولائية ركب باصات شركة الجزيرة، وركب باصات عزوز من السوق الصغير جنب الاستاد، اليوم أحفاده وأولاده يسافرون من الميناء البري والميناء الجوي بالطيران، وميناء السكة حديد بالقطار الحديث الذي سمي قديماً بالترماج.

الجيل الذي اجتمع ساسته في نادي الخريجين على فكر أحمد خير المحامي في الوطنية، اليوم أحفادهم يجتمعون بهواتفهم الذكية عبر تطبيق “زوم”. والجيل الذي اجتمع في نادي الاتحاد الرياضي للسمر والأنشطة الرياضية والاجتماعية، اليوم أحفاده هم من مثّلوا السودان في بطولة كأس العالم.

الجيل الذي مشى راجلاً للمدارس، وقطع المسافات في البرد القارس ومياه الأمطار وشمس الصيف لأهمية التعليم، اليوم أحفاده يدرسون أونلاين عبر الإنترنت في كل مراحلهم الدراسية.

الجيل الذي شاهد تلفزيون السودان والدراما المصرية القديمة الساعة (8) ونشرة الأخبار الساعة (9) وسهرة الخميس “سينما سينما”، واستمع إلى صوت الراديو يجلجل “هناء أم درمان”، اليوم أحفاده يتجولون بأبصارهم في كل المحطات العالمية والتطبيقات الذكية في الميديا إلى العالم في شاشة صغيرة بين أيديهم وبضغطة زر، في حين لا يفهم آباؤهم وأجدادهم عن هذه التكنولوجيا شيئاً.

وأم جركم ماااااا بتأكل خريفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى