نقلا عن مداميك ــ عرمان لمداميك: الابتعاد عن الشارع الثوري أحد أهم أخطاء الفترة الانتقالية ــ مفهوم الهامش والمركز اختلط بمفاهيم الليبرالية الجديدة وأُخذ ككتلة صماء ــ بعانخي برس
بعانخي برس

نقلا عن مداميك ــ عرمان لمداميك: الابتعاد عن الشارع الثوري
أحد أهم أخطاء الفترة الانتقالية ــ
مفهوم الهامش والمركز اختلط بمفاهيم الليبرالية الجديدة وأُخذ ككتلة صماء ــ
إعداد:
لبنى إدريس
منتصر عبد الماجد
إدارة الحوار : لبنى ادريس
الجزء الأول
نلتقي بالأستاذ ياسر عرمان، أحد أبرز الفاعلين في الحركة السياسية السودانية، وصاحب تجربة سياسية وفكرية ونضالية ممتدة لقرابة خمسة عقود.
نفتح معه حواراً حول محطات من التاريخ السياسي السوداني وجذور أزماته وتحولاته، وإشكاليات الدولة والهوية والمركز والهامش، وصولاً إلى الحرب الراهنة وأسئلة المستقبل. حوار نحاول فيه مساءلة الأفكار والتجارب، والاقتراب من الأسئلة الصعبة التي ظلت تؤرق غالبية السودانيين.
١/ لماذا قررت عدم الظهور في وسائل الإعلام لمدة تزيد عن العام، خاصة الإعلام المشاهد، رغم خبراتكم المتراكمة؟
بداية جيدة أولاً أشكركم على هذا اللقاء، السبب في عدم ظهوري والاعتذار عن المقابلات مع وسائل الإعلام ناتج عن عدم رضا عميق بما يدور في معظم هذه الوسائل وليس كلها وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، فكما ذكرتي لدينا خبرة متراكمة عن الحروب وما تسببه من جراحات وطنية عميقة، وحرب ١٥ أبريل تحديداً مختلفة لانها بدأت في مركز السلطة وانتقلت للهامش وقد تبين لي بوضوح ان الخطاب الإعلامي عند الكثير يجنح للفجور والمغالاة وتصعيد خطاب الكراهية ولا يتحلى بالحساسية اللازمة لجبر الخواطر ومداواة جراحات الحرب، ويسهم في تدمير النسيج الوطني، بالإضافة لذلك فإننا في التيار الثوري لدينا خطاب متميز، به درجة من درجات الاختلاف في بعض القضايا مع
التحالفات التي نشارك بها، ونسعى لتضييق شقة الخلافات مع رفاقنا والسعي لوحدة القوى المدنية وقوى الثورة، وهنالك بعض المنصات تسعى لاستضافتنا لتوسيع شقة الخلاف، وهناك ايضاً وسائل إعلامية تحوّل معاناة الناس ومأساة الحرب إلى مباراة بين أطراف متنافسة، فتغذّي الانقسام، وتكرّس خطاب الفرقة والتعصب، وتدفع نحو التشدد في الدفاع عن المواقف والذوات، بدلاً من الانحياز إلى الإنسان ووجعه.
كما ان هنالك شبكة من الخوارزميات مرتبطة بقوة خارجية تسعى لتوجيه العقل السياسي والاجتماعي السوداني لخدمة مصالحها، ويجب ان تكون حذرين ولا نخدم مشاريعهم.
٢/ في يناير المقبل، تكون قد أكملت 40 عاماً داخل الحركة الشعبية و48 عاماً في العمل السياسي. ما هي الدروس المستفادة من هذه التجربة الطويلة؟
بالفعل منذ ان وصلت لمعسكر اللاجئين في (اتنغ) الذي يقع في جنوب غرب أثيوبيا على الحدود السودانية بالقرب من مدينة قمبيلا وهو اكبر معسكر للاجئين حيث كان يتواجد به حوالي ٢٠٠ الف شخص، الغالبية الساحقة من الجنوبيين السودانيين وكانت تجربة مثيرة ولأول مرة اشاهد وأتعامل مع هذا العدد الضخم من الجنوبيين في فضاء واحد، وكان بالمعسكر قسم لتنجيد المستجدين للجيش الشعبي، وصلت المعسكر في يناير ١٩٨٧ وكان عمري حينها (٢٤) عاماً وأمضيت قبلها ٨ سنوات في الحزب الشيوعي، وقد حاولنا في الخرطوم بناء جناح سياسي للحركة الشعبية تحت مسمى ( الخبز والسلام والتحرر) مع اصدقاء أعزاء وأناس جيدين، اذكر منهم حسن نابليون وعلي العوض، وفي هذه الرحلة زرت أراضي غير باردة والتقيت بالشهداء.
أول الدروس هو انني تعرفت على نحو كبير بالمجتمع السوداني كما لم اعرفه من قبل، وقد كان بالنسبة لي فكرة مجردة ليست من لحم ودم ومعاناة، وبعد اتفاق نيفاشا شاركت في اكثر من ( ٢٦٠) ندوة في كافة ارجاء السودان مما عمق معرفتي بالمجتمعات السودانية، ولمحمود درويش قول بديع : ” اتعرف من انا حتى تموت نيابة عني” فاذا أردت ان تناضل من أجل الناس عليك التعرف عليهم أولاً، ومن اهم الدروس تعلمت ان الاعتراف بحق الاخرين في يكونوا اخرين ليس منحة بل حق، وتعلمت ان الانتقاص من تاريخ السودان ومكانة الاخرين هو الذي انتقص من جغرافيته، ان السودان بالفعل مشروع عظيم قابل للتحقق، واللاجئين السودانيين في البلدان الأفريقية ضحايا حرب ١٥ أبريل ادرك معظهم اليوم اننا اخطأنا خطأ عظيم في حق بلادنا حينما جعلت الحكومات من مطلب القبول بالآخر شيئاً بعيد المنال ورفضت مطلب بسيط مثل الفيدرالية، وضيعنا وقتاً ودماً في فرض الشريعة على غير المسلمين، لقد دمرت الفاشية بلادنا دون سبب او عائد وقاومها شعبنا ببسالة منقطعة النظير.
من تجربتي ادركت بعمق اهمية ريف السودان، وانني مدين للحركة الشعبية بمعرفة التركيبة الفريدة للسودان ومدين كذلك للحزب الشيوعي بتعريفي بالحركة الجماهيرية وقضايا الطلاب والمزارعين والعمال والنقابات والنساء، كما تعلمت في فترة مبكرة من العمل التنظيمي ومن تجربة السجن السياسي اشياء عميقة في التزام جانب الشعب.
وبما انني خلال ٤٨ عاماً خضت تجربتي العمل الجماهيري والكفاح المسلح، فأنني اليوم أكثر إدراكاً لجوهر القضية السودانية.
ولابد لي من القول ان لامي وابي ومجتمعنا عموماً الفضل في غرس قيم الاستقامة والإيثار والتضحية، وان الخير خيراً وان طال الزمان به، ولا زلت احلم باتحاد سوداني بين دولتي السودان ويتكامل مع كافة بلدان الجوار، فان الفضاء الواسع هو الذي يخرجنا من ضيق الحروب وضيق أحذية القبائل.
وهذه بعض الدروس التي يسمح بها لقاء صحفي حتى لا نظلم تجربتنا التي تستحق تأمل اعمق.
٣/ في رأيك ما هي أسباب متلازمة الحروب والدكتاتوريات وإخفاق النخب السياسية في السودان؟
متلازمة الحروب والدكتاتوريات في ابعادها اعمق من فشل النخب وهي ذات رباط بمشروع البناء الوطني والتنوع التاريخي والمعاصر لبلادنا وتعقيدات التاريخ والجغرافيا وتركة الاستعمار والكولونيالية الجديدة وفشل الطبقة السياسية في ادراك ماهية السودان، وقد حذرهم بخبث آخر حاكم بريطاني للسودان السير روبرت هاو في خطابه اثناء حفل وداعه، لم تدرك تلك الطبقة تنوع السودان وأبعاده وكانت خياراتها سيئة، والطبقة الحاكمة في الخرطوم لم تطل بعمق على بقية السودان وثالثة الأثافي كانت فاشية الإسلام السياسي. وظاهرة انهيار الدولة الوطنية ظاهرة شاملة في بلدان الجنوب العالمي وإفريقيا والعام العربي، والدمار والانهيار الذي تشهده بلدان مهمة وعجز طبقتها السياسية في تقديم البديل مثل ما يحدث في العراق واليمن وسوريا والصومال والعديد من البلدان الأفريقية لهو مأساة حقيقية، بل ان له امتدادات على مستوى العالم، هنالك تدهور وانحطاط مريع ومتغيرات على الصعيد العالمي وتصاعد للهيمنة وحروب الجغرافيا السياسية وضعف مؤسسات الدولة الحديثة والشعبوية ومعادات المهاجرين.
ان السودان اوسع من البرامج الضيقة لحكومات ما بعد الاستقلال التي لم تخاطب امهات القضايا والدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية في حروب الريف المرتبطة بالشمولية، ولابد لنا من العودة لمنصة التكوين والاتفاق على برنامج للبناء الوطني يهتم بتنمية الريف ويحل مأزق المدنية ويوفر سبل كسب العيش للاغلبية الساحقة المهمشة، ان قضايا البناء الوطني لهي شديدة التعقيد اليوم مما كانت عليه في يناير ١٩٥٦، فاليوم انهارت الدولة وتشتت المجتمع وخلفنا وفي حاضرنا تركة من الحروب والجراحات الوطنية لابد من التعامل معها بصبر وحكمة وتوحيد شعبنا وبلادنا، هذا ما كسبت يدانا في ظل عالم شرس لا يعرف الرحمة، وزحف حتى من البلدان التابعة كوكيل في نهب ثروات الآخرين. نحن في مأزق تاريخي لا تخاطبه الحلول الهشة ولابد من بناء كتلة عضوية ووازنة قادرة على حشد شعبنا وتوحيده لتنفيذ برنامج وطني، وقد كانت ثورة ديسمبر اقرب اللحظات لهذه المهمة، ولكن اليوم المهمة أصبحت اكثر تعقيداً.
٤/ مفهوم الهامش والمركز: هل هو مفهوم لإنهاء التهميش وتحقيق العدالة، أم أنه يحمل مشروعاً لهدم السودان؟
مفهوم الهامش والمركز هو مفهوم مأخوذ من المدارس السياسية التقدمية خصوصاً مدرسة التبعية التي تناولت المركز والهامش العالمي وهي مدرسة عميقة الأثر، ساهم فيها بعمق المفكرين الكبار مثل بول باران وبول سويزي وأندريا جندر فرانك وسمير امين وغيرهم، وتم تناولها داخلياً في بلدان الجنوب احياناً بشكل غير حذر واحياناً أخرى بإسقاطات مخلة، وفي العقود الأخيرة اختلطت بمفاهيم اللبرالية الجديدة ومحاولات استخدام الاثنية لزعزعة النسيج الوطني بدلاً من بناء رابطة جديدة للعيش المشترك وكآلية لتمزيق المجتمعات، وقد حاول البعض ادماج هذه الرؤية القاصرة برؤية السودان الجديد، وأخذ الهامش والمركز ككتلة صماء، وربط مفهوم التهميش بالإثنية واحياناً باللون والقبيلة والجغرافيا، دون بذل اي جهد لاحياء روابط الوطنية بل يتحدث بعضهم بذاكرة تاريخيّة مثقوبة، ان مهمتنا في ازالة التهميش لن تتحقق إلا بالوصول لرابطة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية جديدة توحد شعبنا دون ربط رؤية السودان الجديد بحق تقرير المصير كآلية للانفصال، بل يجب ان نسعى لوحدة المهمشين في كل السودان وفي مقدمتهم النساء لبناء بلد جديد، وهذا هو جوهر فكر الكبار من لدن والتر ردوني وجون قرنق دعاة وحدة افريقيا دون انحيازات إثنية ، وقد اضر التناول المضطرب والمشوش لقضية المركز والهامش برؤية السودان الجديد، وهي رؤية تبحث عن روابط التلاحم الانساني في التاريخ وفي الحاضر مثل ما فعل المفكر السنغالي الشيخ أنتا ديوب في بحثه الفريد عن الجذور التاريخية لحضارات وادي النيل وضرورة المصالحة التاريخية بين الحضارات الانسانية، ان معالجة أمراض المركز القديم وازالة التهميش تكمن في تفكيك واعادة بناء المركز بمشاركة الجميع وبرابطة جديدة قائمة على العدالة والإنصاف. مفهوم المركز والهامش يجب ان لا يؤدي استخدامه لتمزيق المجتمعات واستبدال الضحايا بضحايا جدد وإطلاق غرائز الانتقام بدلاً عن البناء، والمراكز عادة تشكلت عبر مسيرة تاريخيّة طولية من الأنظمة الوطنية الكولونيالية والوقوف ضدها يستدعي بديل جدي لمصلحة جميع الفئات المهمشة على اساس السلام المستدام والعدالة الاجتماعية والمواطنة بلا تمييز والطعام والكرامة للجميع، لا بمحاولات تكريس اثني بديلاً للمواطنة.
٥/ ما هو مصير مشروع السودان الجديد؟ وهل أخفق مشروع جون قرنق؟
مشروع السودان الجديد الذي قاده زعيمنا الشهيد دكتور جون قرنق والذي غاب بفعل فاعل، وصل قمته الشاهقة في الساحة الخضراء في يوم الجمعة ٧ يوليو ٢٠٠٥، ووحد كتلة واسعة من القوى المهمشة والرصيف الذين استقبلوا قرنق في ذلك اليوم، واليوم يقف هذا المشروع في مفترق الطرق، بعد غياب قرنق وانفصال جنوب السودان يضع كل ذلك علامات استفهام لابد من التوقف عندها، كذلك تجربة الحركة ما بعد قرنق تحتاج لتقييم وتقويم، وقبل وحدة السودان تطرح اسئلة حول وحدة الحركة نفسها، ومشروع السودان الجديد وجد مقاومة شرسة من القوميين ضيقي النظرة والمصالح في الشمال والجنوب معاً وحاربه مركز السلطة واستخدم كل أسلحته ضده، وموضوعياً انطلق المشروع من مجتمعات ما قبل الرأسمالية بكل ما يعنيه ذلك من قضايا ولكن ثبت في اكثر من مناسبة ان هذا المشروع تحتاجه بلادنا وعلى الاقل في مناسبتين هامتين وتاريخيتين ؛ ففي ثورة ديسمبر شاهدنا شعارتها ذات صلة بمشروع السودان الجديد، وشاهدت في ساحة الاعتصام وفي أعالي جمهورية النفق شعار عريض عنوانه ( الشعب يريد بناء سودان جديد)، بعد حرب ١٥ أبريل تجددت الدعوة بتطبيق مشروع السودان الجديد ، ماذا يعني ذلك؟ يعني انه مشروع مازال حي ونابض بالحيوية ولكن يحتاج لميلاد ثانِ ينقله من العموميات للتفاصيل المرتبطة بحياة الناس (وقفة الملاح) ويخلصه من سلبيات الممارسة والاعتراف بالاخطاء ونقدها وتقديم اجيال جديدة وتحريره من التقزيم الإثني والجغرافي ومن تجربة العمل المسلح وسلبياتها وعدم قدرتها في حل قضايا الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، باختصار ان مشروع السودان الجديد حي ويحتاج لتطوير وتقديم جديد يأخذ الوقائع والمتغيرات والمستجدات في الحسبان، ولو جاء قرنق اليوم لما كرر احاديثه بالأمس ولقدم اطروحات جديدة لمخاطبة قضايا اليوم مع الإحتفاظ بأساسيات الرؤية وتطويرها على نسق جديد، وهذه هي مهمة كافة المتمسكين بهذا المشروع، ان يمتلكوا النظرة النقدية ويعترفوا بالاخطاء، ويخاطبوا قضايا اليوم بروح اليوم ويوحدوا انفسهم وعدم الانزواء عند مطالب السلطة والثروة لقلة من الأفراد ومغادرة محطة السلفية والتفاعل مع المتغيرات.
٦/ هل العجز في تحقيق مشروع السودان الجديد ناتج عن القوى التي تبنّته، أم أن هناك إشكالات في المشروع نفسه؟
دعينا نقول الإخفاق وليس العجز مرتبط بأسباب بعضها متعلق بالقوى الاجتماعية والتراجع عن اساسيات المشروع وأولها وحدة السودان والإصرار على تحقيق السودان الجديد وبعضها متعلق بضيق نظرة القوميين بعد رحيل قرنق، والعمل التخريبي المستمر لقوى المركز القديم وفاشية الاسلام السياسي واستخدام القوميين للمشروع كآلية للانفصال، لا كرؤية للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، لكن مشروع السودان الجديد هو الوحيد المتوفر في دور عرض سينما المدينة اليوم، دون ان يعني ذلك انغلاقه وعدم انفتاحه على المشاريع الاخرى وتفاعله مع الرؤى الاخرى ومع الجديد ومع قضايا الثورة السودانية وعلى رأسها ثورة ديسمبر والثورات الحديثة منذ عام ١٩٢٤.
٧/ لماذا فشلت التحالفات السياسية، منذ استقلال السودان، في استدامة الديمقراطية والسلام؟
لا يمكن وصف التحالفات بالفشل التام فقد نجحت في تحقيق كثير من المهام المرحلية في ازالة الدكتاتوريات، مثلاً التجمع الوطني الديمقراطي هو اوسع وأكثر تحالف استمر لمدة ١٥ عام، وقوى الإجماع التي تكونت في جوبا كأول تحالف تصدر شهادة ميلاده من داخل جنوب السودان، والجبهة الثورية والفجر الجديد والحرية والتغيير كلها قاومت الفاشية، والتحالفات الحالية تقاوم الحرب وتسعى لبناء مدني ديمقراطي وقد شاركت بفاعلية في كل هذه التحالفات ونحن نؤمن بانها الطريق الوحيد لصنع المستقبل، فالمهام المطروحة علينا لا تستطيع اي جهة منفردة تحقيقها مهما عظم شأنها مع إدراكنا لتعقيدات التركيبة الداخلية للتحالفات، وغلبة التكتيكات على الرؤية الاستراتيجية، وضعف مضمونها الاجتماعي وضرورة وصولها لكتلة عضوية وازنة قادرة على مهام البناء الوطني وتمتعها بالثبات والمرونة الاستراتيجية واستعدادها لتقديم التضحيات وهذه عملية وليس حدث، وعلينا دراسة تجارب التحالفات السابقة والنجاح والفشل الذي لازمها وكيفية التوصل لرؤية ثاقبة مدركة لحجم التحديات ومنفتحة على المنابر الديمقراطية خارجها وذات قدرة على حشد الطاقات لاستعادة الثورة وبناء الدولة وهذه مهمة معقدة تحتاج لهمة وصبر.
٨/ هل أخطأت القوى المدنية في تقديراتها للتعامل مع المكوّن العسكري خلال الفترة الانتقالية؟ وما الخطأ الذي تتحمل مسؤوليته شخصياً؟
تناول هذه القضية يجب ان ينطلق من منصة الإصلاح وتفادي اخطاء الأمس والتعلم منها، لا بغرض “فركشة” قوى الثورة أو تبرئة الذات أو جلدها، نعم هنالك أخطاء أولها ان قوى الثورة تأخرت في توحدها الذي تم عشية الثورة، والمكون العسكري كان اكثر تنظيماً ويعتمد على التراتبية ويستخدم اجهزة الدولة في التأمر ضد قوى الثورة، وقد كان الجيش منقسماً داخله لجيش ودعم سريع بالإضافة للتأثير الهائل للإسلاميين والنظام القديم والاختراقات، وكذلك ضربت معسكر قوى الثورة الاختلافات المبكرة والاهتمام احياناً بالسلطة والمحاصصات وانشغلت بها اكثر من الاهتمام بالشارع الثوري وجيشها السياسي الذي قام بالثورة، والابتعاد عن الشارع الثوري اضعف السلطة الانتقالية امام المكون العسكري ولم يتم استخدام السلطة الانتقالية لدعم الشارع ومن ناحية أخرى استخدام الشارع في دعم السلطة الانتقالية في عملية جدلية وعضوية لحماية الثورة وسلطتها، واحياناً كان البعض يخشى الشارع، ولم تكن القيادة متجانسة بعض الاوقات مما ادى لخروج البعض وتجميد البعض الاخر لعضويتهم، واستفاد المكون العسكري من كل ذلك. كان التفاوض مع المكون العسكري يعتمد في كثير من الأحيان على المبادرات الفردية وفي كثير من جوانبه لم يكن منهجي ومؤسسي، وقتها كان الشارع قادراً على الضغط على المكون العسكري. وهذه الاخطاء هي جماعية نحتاج لنقاشها بموضوعية وامانة.
فيما يتعلق بخطأي الشخصي، اعتقد انني التزمت الصمت في كثير من المواقف حرصاً على الوحدة، ولم أواجه انفراد البعض في تحديد المطالب بعيداً عن المؤسسات القائمة وتعاملهم المباشر مع المكون العسكري دون الرجوع للمؤسسات، كان من الواجب مواجهة تلك الاخطاء في وقتها، وبسبب حرصنا على وحدة وتجانس القيادة الموجودة تمت المواجهة في اطر ضيقة وبعيداً عن الناس، وربما كان هناك طريق آخر للمعالجة أكثر فاعلية.
https://www.medameek.com/?p=209621




