راي

شاكر مختار يكتب .. الكهرباء في السودان.. أزمة وطن أم عنوان دائم لفشل الحكومات؟ ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

لم تعد قطوعات الكهرباء المتكررة في السودان مجرد مشكلة خدمية عابرة، بل تحولت إلى كابوس يومي يطارد المواطنين في منازلهم وأماكن عملهم ومستشفياتهم ومؤسساتهم التعليمية. ومع كل صيف أو خريف أو حتى في الأيام العادية، يجد السوداني نفسه أسيراً لبرنامج إطفاء لا يعرف له موعداً ثابتاً، أو ضحية لـ”بلاك أوت” شامل يعيد البلاد سنوات إلى الوراء في مشهد أصبح مألوفاً ومؤلماً في آن واحد.
منذ استقلال السودان ظلت أزمة الكهرباء تتنقل من حكومة إلى أخرى دون أن تجد حلاً جذرياً ومستداماً.

ورغم الوعود المتكررة والمشروعات المعلنة والخطط الإسعافية التي تتجدد مع كل مسؤول جديد، إلا أن الواقع يؤكد أن المواطن ما زال يدفع ثمن سوء التخطيط وغياب الرؤية الاستراتيجية والإدارة الرشيدة لهذا القطاع الحيوي.
إن الضرر الناتج عن انقطاع الكهرباء لا يقتصر على إزعاج الأسر أو توقف أجهزة التبريد في ظل درجات حرارة مرتفعة، بل يمتد إلى خسائر اقتصادية فادحة تطال المصانع والورش والمحلات التجارية والمستشفيات ومرافق إنتاج المياه. كما تتلف الأجهزة الكهربائية بسبب الانقطاعات المفاجئة وتذبذب التيار، بينما يتحمل المواطن البسيط التكلفة كاملة دون أن يكون مسؤولاً عن أسباب الأزمة.
أما ظاهرة “البلاك أوت” الشامل فهي تعكس هشاشة الشبكة الكهربائية وضعف البنية التحتية وعدم قدرة النظام على امتصاص الأعطال أو التعامل معها بكفاءة. ففي كثير من دول العالم تحدث أعطال فنية، لكن وجود شبكات حديثة وأنظمة حماية متطورة يمنع تحولها إلى انهيار كامل للمنظومة كما يحدث في السودان.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الجميع: هل يوجد علاج نهائي لهذه المهزلة؟
الإجابة نعم، ولكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وإدارة مهنية بعيدة عن الحلول المؤقتة. فالعلاج يبدأ بتأهيل محطات التوليد الحالية، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، وكما يتطلب الأمر محاربة الفساد وترسيخ مبدأ المحاسبة والشفافية في إدارة قطاع الكهرباء.
لقد تعب المواطن السوداني من سماع التبريرات ذاتها كل عام وكل عطل ، ومن انتظار حلول لا تأتي. فالكهرباء ليست رفاهية، بل حق أساسي وركيزة لأي تنمية اقتصادية أو اجتماعية. ولا يمكن الحديث عن نهضة أو استثمار أو استقرار في ظل شبكة كهربائية تتعثر مع أول ضغط أو عطل.
إن معاناة السودانيين مع الكهرباء أصبحت شاهداً على عقود طويلة من الإخفاق الإداري والتخطيط القاصر. وما لم تتغير طريقة إدارة هذا الملف الحيوي، فإن البلاك أوت سيظل ضيفاً ثقيلاً على حياة المواطنين، وستظل معاناتهم مستمرة في دولة تستحق مواردها وشعبها واقعاً أفضل بكثير مما يعيشانه اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى