أ. طارق عبداللطيف ابوعكرمة يكتب .. غياب المشروع الوطني: الجذر الخفي لكل أزمات السودان ــ بعانخي برس
بعانخي برس
أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
إن الحديث عن (المشروع الوطني) قد يبدو في بعض السياقات مجرد مصطلح إنشائي، لكنه في السودان أشبه بمفتاح تشريحي لقراءة كل طبقات الأزمة؛ فالمشروع الوطني ليس شعاراً، بل منظومة من التوافقات العميقة التي تُعرّف الجماعة السياسية: من نحن؟ كيف نتقاسم الموارد؟ ما قواعد الحكم؟ وما الذي يشكّل (المشترك) الذي يجعل من التعددية ثراءً لا تهديداً؟
وحين يغيب هذا المشروع، لا تتعطل الدولة فحسب؛ بل تتفكك تلقائياً إلى مشاريع صغرى: مشروعات قبلية، طائفية، دينية، جهوية، وإقليمية — كلها تملك تعريفاً خاصاً للوطن، ولا ترى نفسها جزءاً من كيان جامع. وهكذا تنهار الفكرة الجامعة لصالح شظايا تُنتج صراعاً لا نهائياً.
من زاوية فلسفية، يمكن القول إن السودان يعيش أزمة هوية سياسية مؤسِّسة. فالهوية الوطنية ليست مجرد نصوص دستورية، بل قدرة على إنتاج معنى مشترك عبر قنوات الثقافة والسياسة والاقتصاد. تعددية السرديات (العروبة، الأفريقية، الدين ، القبيلة، الإقليم) لم تُصغ في بوتقة واحدة. لذلك يتحوّل النزاع من اختلاف مصالح إلى اختلاف معايير الوجود نفسه: من يملك حق تعريف الوطن؟
اقتصادياً، أدى غياب المشروع الوطني إلى ترسيخ اقتصاد ريعي فوضوي تحكمه شبكات مصالح تعمل داخل الدولة وخارجها. الموارد الطبيعية تُستغل بلا رؤية مركزية، والبنية المؤسسية عاجزة، مما يُنتج بيئة ربحٍ موازٍ لا ترى في بناء المؤسسات إلا تهديداً لمكاسبها. وهكذا يتعمّق الفساد لا كظاهرة طارئة، بل كبنية مصلحية نشطة وقادرة على تعطيل أي إصلاح.
سياسياً، تسبّب هذا الغياب في إضعاف الأحزاب وإفقادها القدرة على التمثيل. لم تستطع القوى السياسية تحويل التنوّع إلى تعددية ديمقراطية، فأصبح الفراغ السياسي هو الحاضنة الطبيعية للعنف. حين تنسدّ قنوات المشاركة السلمية، يصبح السلاح (لغة) بديلة للسياسة، ويصبح الانقلاب، أو الحرب، أو التمرد هو آلية إعادة التفاوض على السلطة.
أما أخطر تداعيات غياب المشروع الوطني فهو التحلل الأخلاقي. حين لا يجد المواطن إطاراً يعكس معنى العدالة وينظّم العلاقة بين الفرد والدولة، تتراجع الثقة العامة ويتقدم منطق المصلحة الفردية. يصبح الفساد خياراً عقلانياً، وتصبح الفوضى ملاذاً، وتنقلب الوطنية إلى رابطة قابلة للتفاوض. وهكذا، ومن دون معنى عام ملزم، يتآكل الخيط الرفيع الذي يجمع الجماعة السياسية.
من بين المدارس الفكرية التي حاولت معالجة هذا الفراغ، برز خطاب حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نظر إلى المشروع الوطني لا كصياغة محلية فحسب، بل كجزء من رؤية قومية أشمل ترى في الدولة إطاراً لنهضة مجتمعية، وفي المواطنة قاعدة للتوازن بين الحرية والعدالة.
ينهض المشروع الوطني على ثلاثة ركائز:
1. وحدة المجتمع عبر دمج مكوناته في نظام سياسي مدني، ديمقراطي، تعددي ، يقوم على المواطنة والمساواة، لا على المحاصصة القبلية أو التشقق الهوياتي.
2. العدالة الاجتماعية بوصفها شرطاً للاستقرار السياسي ومنع الاحتكار الريعي للموارد، وإعادة هيكلة الاقتصاد بحيث يخدم المجتمع لا النخب.
3. السيادة الوطنية القائمة على استقلال القرار السياسي ورفض تبعية الموارد للفاعلين العسكريين أو القوى الخارجية.
أن السودان لن يتجاوز أزمته إلا ببناء مشروع وطني جامع يتأسس على استعادة الدولة من دوائر السلاح، وإعادة تعريف السياسة باعتبارها خدمة عامة لا غنيمة، والاقتصاد باعتباره إنتاجاً وطنياً لا مسرحاً لنهب الفصائل.
هذه الرؤية لا تقدّم (شعاراً وطنياً) بل منهجاً لبناء دولة حديثة تستمد شرعيتها من شعبها لا من شبكات القوة، وتمنح التعددية معناها الإيجابي ضمن إطار وحدة سياسية–حضارية لا تلغي الاختلاف بل تنظّمه.
كيف نخرج من الفراغ؟
مواجهة هذا الخلل الوجودي تتطلب ثلاث خطوات متوازية:
1. صياغة سردية وطنية : تسمح بالتنوع وتمنع تحويله إلى صراع وجودي. سردية تُعيد تعريف المواطنة والعدالة وتضمن احترام الخصوصيات دون التضحية بالمشترك.
2. إصلاح عميق للمؤسسات السياسية:عودة الجيش إلى ثكناته، بناء أحزاب ديمقراطية حقيقية، مؤسسات رقابية، وقنوات تمثيل تمنع الاحتكام للعنف.
3. تحول اقتصادي وطني يُنهي اقتصاد الفوضى ويعيد دمج الموارد في مشروع تنموي شفاف، يخلق طبقة وسطى قادرة على حماية الدولة المدنية.
خاتمة
إن غياب المشروع الوطني في السودان ليس أزمة تقنية، بل أزمة وجودية. دولة بلا مشروع تتحول إلى فضاء مفتوح تتنازع عليه القوى، وتغيب عنه الروابط الأخلاقية والسياسية التي تجعل من الناس شعباً واحداً.
وإعادة بناء هذا المشروع تتطلب: شجاعة النخبة في التخلي عن الامتيازات، ووعي المجتمع بضرورة الانخراط في صياغة مستقبل مشترك، وتحرير القرار الوطني من التأثيرات العسكرية والجهوية.
عندما يصبح المشروع الوطني عملية مستمرة تصنعها المؤسسات والمجتمع، لا شعاراً عابراً في البيانات، عندها فقط يمكن للسودان أن ينتقل من دولة مُعلّقة إلى دولة مستقرة تحمل اسمها بجدارة.





