
في كل تجمعٍ أو كيانٍ اجتماعي تظهر شخصيات تحمل همّ الناس وتعمل بصمت، تقف وقت الشدة وتغيب عنها الأضواء، وفي المقابل تظهر شخصيات أخرى لا ترى في العمل العام سوى فرصة للظهور وصناعة النفوذ وتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب الشخصية. تلك هي الشخصية الانتهازية المتسلقة، التي تتقن فن تغيير الأقنعة بحسب المصلحة، وتتحرك حيث توجد الكاميرات والتصفيق، لا حيث توجد المسؤولية الحقيقية.
الانتهازي لا يؤمن بالمبادئ بقدر إيمانه بالموقع الذي يحقق له المكاسب. يقترب من الجميع حين يحتاجهم، ويتنكر لهم متى انتهت الفائدة. يتحدث كثيراً عن الوطنية والعمل الطوعي والخدمة العامة، لكنه في الواقع يبحث عن اسمه في الواجهة أكثر من بحثه عن مصلحة المجموعة.
ومن أخطر صفات هذه الشخصية أنها تجيد استغلال الأزمات. ففي أوقات الشتات والمعاناة التي عاشها أبناء مدني بمصر، كان المطلوب رجالاً يداوون الجراح ويوحدون الصفوف، لكن البعض رأى في تلك الظروف فرصة لبناء “مجد شخصي” داخل الرابطة، فبدأت الشلليات والتحركات الخفية ومحاولات احتكار القرار وإقصاء الآخرين.
والمؤسف أن بعض من يتبوأون مواقع داخل رابطة أبناء مدني بمصر باتت تنطبق عليهم ملامح هذه الشخصية بصورة واضحة؛ حضور دائم عند التقاط الصور، واختفاء عند لحظات العمل الحقيقي، وحرص على صناعة الولاءات أكثر من صناعة المبادرات. حتى أصبحت الرابطة عند البعض مجرد منصة اجتماعية وواجهة للعلاقات، بعد أن كان مأمولاً أن تكون جسماً موحداً يحمل همّ أبناء مدني في الغربة والعودة وما بعدها.
الشخصية المتسلقة دائماً تخشى أصحاب الكفاءة، لذلك تعمل على محاربتهم أو تهميشهم، لأنها تدرك أن النجاح الحقيقي يفضح ضعفها. ولهذا نرى كثيراً من أصحاب المبادرات الصادقة ابتعدوا في صمت، بعدما ضاقوا ذرعاً بالمجاملات والمكايدات والصراعات الصغيرة التي لا تشبه حجم القضية.
العمل العام لا يُقاس بكثرة المنشورات ولا بعدد الصور ولا بحجم الضجيج داخل مجموعات الواتساب، وإنما يُقاس بالأثر الحقيقي وسط الناس. والرابطة التي لا تسمع أنين العائدين، ولا تراجع أخطاءها، ولا تفتح أبوابها للجميع، تتحول تدريجياً إلى نادٍ مغلق يخدم أفراداً لا مجتمعاً كاملاً.
إن أخطر ما يهدد أي كيان ليس ضعف الإمكانيات، بل تسلل الشخصيات الانتهازية إلى مراكز التأثير. لأن هذه الشخصيات تُفرغ المؤسسات من قيمها، وتحوّل الرسالة إلى مصلحة، والعمل الطوعي إلى استعراض، والقيادة إلى وجاهة اجتماعية.
ويبقى السؤال:
هل تعود رابطة أبناء مدني بمصر إلى أهدافها الحقيقية كجسم جامع لكل أبناء مدني؟
أم تظل رهينة لأشخاص يرون فيها سلماً للصعود وتحقيق المكاسب الخاصة؟
نواصل




