راي

شئ للوطن ــ م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com ــ “تجار المآسي: كيف ازدهرت طبقة الأغنياء الجدد على أنقاض السودان؟” ــ بعانخي برس

بعانخي برس

 

 

 

في قلب الخرطوم، المدينة التي كانت تضج بالحياة، لم يعد يُسمع سوى دوي المدافع وصوت الانفجارات. لقد تحوّلت الأحياء السكنية إلى ساحات للقتال، وأضحت الطرقات مسرحاً للنزوح الجماعي. لم يعد للأمان مكان، وبات السعي وراءه هو الغاية الوحيدة. في هذا المشهد المأساوي، وبينما يُناضل ملايين السودانيين من أجل البقاء، ظهرت طبقةٌ جديدة من الأثرياء، أغنياء الحرب، الذين بنوا ثرواتهم على أنقاض آمال شعبٍ كامل. إنّهم “تجار المآسي” الذين استغلوا حاجة الناس للبقاء ليمارسوا أبشع أنواع الجشع والاحتكار، متجاهلين أبسط مبادئ الإنسانية.
مع اشتعال الحرب، تحوّلت المناطق الآمنة نسبياً في الولايات الأخرى إلى ملاذات للمواطنين الفارين من جحيم القتال. الخرطوم، التي كانت مركزاً للسلطة والاقتصاد، أصبحت منطقة خطر، مما دفع الآلاف للنزوح نحو مدن مثل بورتسودان، وود مدني، وشندي. كان من المفترض أن يجد النازحون في هذه المدن بعضاً من الراحة والأمان، لكن ما وجدوه كان جشعاً لا حدود له. لقد ارتفعت أسعار الإيجارات بشكلٍ فلكي، حيث استغل بعض أصحاب العقارات حاجة الناس الماسة للمأوى. في بعض الحالات، تجاوزت الإيجارات الشهرية عشرات أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. أصبح البحث عن سكن آمن حلماً بعيد المنال، وباتت العائلات تضطر لدفع مبالغ باهظة مقابل غرفٍ صغيرة أو حتى أماكن لا تليق بالعيش الآدمي.
هذا الارتفاع لم يكن نتيجةً طبيعية لقانون العرض والطلب، بل كان احتكاراً صريحاً. فقد قام بعض الأفراد بشراء أو استئجار عقارات بأكملها ثم قاموا بإعادة تأجيرها بأسعار مضاعفة. لم يكن الأمر مقتصراً على العقارات؛ بل امتد إلى وسائل النقل أيضاً. فالرحلة التي كانت تكلف بضع مئات من الجنيهات أصبحت تتطلب آلاف الجنيهات. لقد استغل سائقو الحافلات والشاحنات، وحتى أصحاب السيارات الخاصة، يأس الناس ورغبتهم في الوصول إلى بر الأمان. لقد رأوا في كل نازحٍ فارٍّ “فرصةً” لتحقيق الربح السريع، غير عابئين بالضائقة المالية التي يمر بها هؤلاء.
إنّ هذه الظاهرة ليست مجرد حالة فردية، بل هي منظومة متكاملة من الاستغلال، تغذيها فئاتٌ لا ترى في الأزمة إلا مكاسب شخصية. يجب أن يتم فضح هذه الممارسات وكشف مرتكبيها. فالسكوت على هذا الجشع يعتبر مشاركةً في الجريمة. يجب أن ينهض الإعلام، بكل أشكاله، ليقوم بدوره في تسليط الضوء على هذه الطبقة المستغلة. إنّ المقالات والتقارير الصحفية، والبرامج التلفزيونية، وحتى المحتوى الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي، يجب أن تكون منابر لفضح هؤلاء. يجب ذكر أسماء العقاريين وتجار النقل الذين يستغلون حاجة الناس، وأن تُنشر قصص الضحايا ليعلم الجميع مدى المعاناة التي يسببها هؤلاء.
إنّ المسؤولية لا تقع على الإعلام وحده، بل على المجتمع أيضاً. فالمجتمع السوداني، المعروف بتكافله وتضامنه، يجب أن يتصدى لهذه الظاهرة. يجب مقاطعة كل من يستغل الأزمة، ورفض التعامل معه. يجب أن تكون هناك حملات مجتمعية تهدف إلى إيقاف هذا الاستغلال. يمكن للمنظمات الشبابية واللجان الشعبية ولجان المقاومة أن تلعب دوراً محورياً في تنظيم هذه الحملات، والتوعية بخطورة هذه الممارسات على النسيج الاجتماعي. يجب أن يعلم كل من يستغل حاجة أخيه السوداني أنه مرفوضٌ من مجتمعه.
إنّ بناء الثروة على أنقاض الوطن هو خيانة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد عاش السودان، وما زال، ويلات الحروب والصراعات، وكان الأمل دائماً في أن ينهض الشعب من جديد، متكاتفاً يداً بيد. لكن ظهور هذه الطبقة الجديدة من الأغنياء يهدد هذا الأمل. فبينما يقاتل البعض من أجل الوطن، ويُناضل آخرون من أجل لقمة العيش، يبني هؤلاء ثرواتهم من دموع ومعاناة الآخرين. إنّ هذا السلوك لا يُثري بلداً، بل يُفقر روحه.
إنّ الحل يكمن في التكاتف واليقظة. يجب أن يُنظر إلى كل من يستغل الأزمة على أنه عدوٌ للوطن، لا يقل خطورةً عن القتال نفسه. يجب أن تكون هناك رقابة مجتمعية صارمة على الأسعار والإيجارات، وأن يتم تبادل المعلومات حول الممارسات غير الأخلاقية. يجب أن نُعيد الاعتبار للمبادئ الإنسانية والأخلاقية التي تربينا عليها. فالسودان يستحق أن يُبنى بسواعد أبنائه الشرفاء، لا على أكتاف تجار الأزمات. إنّ المعركة الحقيقية ليست فقط في ساحات القتال، بل هي معركة أخلاقية أيضاً، يجب أن ننتصر فيها.
هل يمكن للمجتمع السوداني أن ينتفض ضد تجار المآسي كما انتفض ضد مليشيات الدعم السريع والمرتزقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى